ما أجمله من شعور حين تجد اسمك في كتاب، ثم ترى ذلك الكتاب في مكتبة عامة، أو تجده بين يدي قارئ يطالع ما كتبت!
كان عنوان الكتاب «حوار في روح المعنى»، وقد انطلقت فكرته من لقاء جمعني بوفد من المستبصرين، كانوا من ضيوف مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي. وضم الكتاب حوارات مع اثنتي عشرة شخصية، هي:
الأستاذ عبد الحميد مجدوب من مصر، والأستاذ محمد مغربي من الجزائر، والحاج وائل هادي من الكويت، والدكتور عبد السلام كعبار من تونس، والأستاذ جمال بنكوشة من الجزائر، والدكتور عياد وناس من تونس، والأستاذ بالمصطفى بوراسي من المغرب، والحاج مختار صحبي من تونس، والدكتور بالقاسم برشيش من تونس، والحاج حسن بوبيش من باكستان، وفضيلة الشيخ مرتضى محمد علي، رئيس الوفد، والدكتور ضياء مصطفى حسن، رئيس الحملة.
مفردة «رافضي» بين الإدانة والانتماء
كان السؤال الأول يدور حول مفردة «رافضي»: كيف يتعامل المستبصر مع هذه المفردة؟
اتفق أغلب المشاركين على أن المصطلح قديم، لكنه أُعيد إنتاجه في العصر الحديث بمضامين مؤلمة؛ لكونه يُستعمل أحيانًا وسيلة لبث الكراهية والفرقة بين المسلمين. ولذلك، تقع على أهل الوعي مسؤولية رفض توظيفه للإساءة والتعامل معه وفق سياقات إنسانية واعية.
في المقابل، رأى بعضهم أن هذه المفردة تسعده بما تحمله من معنى الانتماء إلى خط رفض الظلم والباطل، وأنها تحولت لديه إلى هوية ونعمة من نعم الله، بدل أن تكون مصدرًا للشعور بالدونية أو الإحباط.
ما مؤثرات التحول إلى التشيع؟
دار السؤال الثاني حول المؤثرات التي تقود إلى التحول نحو التشيع.
كان المؤثر الأول الذي شخصه وفد المستبصرين هو الوعي، فيما رأى آخرون، ومنهم الأستاذ جمال بنكوشة، أن الأثر العلمي والروحي وقيم المعروف الإنساني تمثل عوامل أساسية في هذا التحول.
فالصبر والتصابر وطاقة التحمل قيم يمكنها أن تحول عنجهية الجهل إلى إيمان قائم على المعرفة والوضوح.
وأعتقد أننا بهذه الروح نمثل الهوية الشيعية الحقيقية، الرافضة لجميع أساليب القسوة والإرهاب. فنحن أبناء السلام وأهله، وشيعة أهل البيت (عليهم السلام).
إن الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام) يمنحنا شعورًا جميلًا بالمسؤولية؛ لأن الذين أحببناهم وانتسبنا إلى نهجهم كانوا قدوة للإنسانية. ونحن نشعر بأننا ورثنا شيئًا من الصبر الذي ألهمنا إياه حب الإمام الحسين (عليه السلام).
نحن أبناء مشروعه الإصلاحي، ولذلك ينبغي أن نكون أهل الدعوة الإسلامية الحقيقية، وأهل المحبة، وأبناء مذهب يحمل الرحمة إلى العالمين.
كيف نواجه حركات التضليل؟
كان السؤال الثالث: كيف تكون مواجهة حركات التضليل؟
إن كلمة «المواجهة» لها حساسيتها في القضايا الفكرية؛ لأنها تحتاج إلى قوة أكبر من القوة المادية: قوة الإيمان، وقوة الفكر، وقوة الصبر والتصابر.
وما نملكه من مساحات التسامح يمثل دستورًا أخلاقيًا أذهل العالم. لقد عشقنا التشيع لما يمتلكه من مفاهيم واسعة ترفض الحقد والكراهية والأنانية. ونحن ننتمي إلى مدرسة تقوم على سمات الخير التي جسدها الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
وإذا فقدنا هذه السمات، فقدنا المعنى الأسمى لانتمائنا. ولذلك، ينبغي أن نجابه حركات التضليل بالأخلاق والقيم والسمات التي أذهلت التاريخ، إلى جانب امتلاك القدرة على الحوار بالأسلوب الواعي والفطن.
وحين يعجز أصحاب بعض الاتجاهات عن مواكبة خطاب السلام، فإنهم يسعون إلى منع الانفتاح الحواري؛ خشية أن يتأثر أتباعهم بالآخر الواعي. وهذه نزعة تعصبية تحكم دعاة التكفير، وتجعلهم يخشون الحوار مع الشيعة؛ لأن مذهب أهل البيت يقوم أساسًا على الفكر والحوار والسلام.
ويتحول التكفير، في هذه الحالة، إلى إعلان صريح عن العجز والخوف من التأثيرات الفكرية. فمذهب أهل البيت يمتلك حججًا دالة على حقيقة نصرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يمكن مواجهة هذه الحجج بالصخب أو بمنع الحوار.
ويرى الحاج وائل هادي أن حركة التضليل لم تكن وليدة الأزمنة المعاصرة حتى تفاجئ أحدًا، وإنما هي حركة تنامت عبر مكونات زائفة تريد الوقوف في مواجهة الحقيقة.
ومن هنا، فإن أهم ما نحتاج إليه لمواجهة التضليل هو زيادة الرسوخ العلمي، والسعي إلى إبراز الحقائق التي يحاول الآخرون حجبها عن الناس، فضلًا عن بناء إعلام مثقف وواعٍ يسير بخطوات مدروسة وصحيحة.
ماذا عن مصطلح «التشيع السياسي»؟
تناول السؤال الرابع الإعلام الوهابي الذي يروج لمقولة «التشيع السياسي».
وكانت الإجابات ترى أن هذه المقولة لا تعدو كونها دعاية إعلامية تهدف إلى تجريد التحول الفكري والعقائدي من دوافعه المعرفية والروحية، وإظهاره على أنه نتيجة لمشروع سياسي، ولذلك لا وزن علميًا حقيقيًا لها.
هل توجد حالات تحول عكسي؟
كان السؤال الخامس عن الشائعة التي تتحدث عن وجود تحول عكسي من المذهب الشيعي إلى الفكر الوهابي.
أجاب الأستاذ عبد الحميد مجدوب:
«هذا تخريف واضح المعالم وتحريف للحقائق، ومحاولة لخلق توازن نفسي. وإذا افترضنا وجود مثل هذه الحالات، فإنها تبقى نادرة وقليلة، ولا تمثل ظاهرة أو نسبة يمكن القياس عليها. وقد يكون بعضهم قد باع نفسه، لكن ذلك لا يدل على وجود تحول فكري عام».
أما الدكتور بالقاسم برشيش، فقال إنهم يحاولون أن يدثروا الحقيقة برداء دعائي وإعلامي موهم، ويعملون، كعادتهم، على خلق مساحات من الوهم لإيجاد توازنات نفسية.
وأوضح الأستاذ محمد مغربي:
«قرأت ذات مرة عن أحد الأدعياء الذي كان يزعم أنه شيعي ثم انقلب على معتقده. وحين دخلت إلى عوالم مذكراته، وجدته لا يعرف المذهب الجعفري، بل يتحدث عن مذهب آخر لا يعنيني.
فهو يقول إنه كان، حين كان شيعيًا إماميًا، يؤمن بأن النبي الحقيقي هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)! وهذا كلام غريب؛ لأنه يتحدث عن أفكار لا أؤمن بها ولا أنتمي إليها بوصفـي شيعيًا».
وبذلك تنكشف الفكرة المشوهة والوجه الأسود الذي تحمله مثل هذه الدعايات؛ فمعظم الشخصيات المستبصرة معروفة بأسمائها وهوياتها ومنجزاتها، وبينها علماء ومفكرون وأدباء كبار.
وعندما يُراد ابتكار ما يسمى «التوازن السلبي»، ينبغي أن نعرف أسماء المتحولين، وطبيعة تحولهم، وقيمتهم الفكرية؛ وعندها يصبح الأمر واضحًا، ويظهر مقدار الخواء الذي تقوم عليه بعض هذه الادعاءات.
أما الحاج مختار صحبي، فينظر إلى التحول، أو ما يسميه «التكامل»، بوصفه فلسفة للولوج إلى عوالم الآخر. ولذلك أصدر المتحولون إلى التشيع كتبًا ذات قيمة فكرية، وخلقوا ذواتًا فاعلة وأفكارًا تُدرس اليوم، وقد يُعتمد عليها مستقبلًا.
ويتساءل:
«لماذا يكتفي المتحول عندهم بمذكرات وهمية تمارس نشاطًا خرافيًا لا وجود له؟ فأنا، بوصفـي سنيًا، حين أقرأ ولا أجد معالم التشخيص الحقيقي عند الشخص المتحول، وأعرف الجوهر السني، فكيف يريدني أن أؤمن بما يقوله متحول خامل أو وهمي؟».
إن للحقيقة مدًّا يتصاعد باتجاه الخير، وينمو عبر الوشائج الفكرية التي تمتد نحو العمق الإيماني والعقائدي. ولهذا، بدأ التحول إلى التشيع بأفراد، ثم أخذ يشكل ظاهرة، ويرى بعض المشاركين أنه قد يمتد مستقبلًا إلى مجتمعات أوسع.
أما التحول العكسي الذي ادعوه، فقد انطفأ الحديث عنه، ولم يعودوا يتناولونه كما كانوا يفعلون من قبل.
«كتابات في الميزان»
يستعيد المقال ولادة كتاب «حوار في روح المعنى» من لقاء حي جمع الكاتب بشخصيات خاضت تحولات فكرية وعقائدية مختلفة. وتكمن قيمته في توثيق الأسئلة التي رافقت تجربة الاستبصار، من دلالات الهوية إلى مواجهة التضليل، مع التأكيد أن الحوار والمعرفة والأخلاق هي الأدوات الأجدى في معالجة الخلاف الديني.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!