كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

تأملات في كتاب «المصابيح» لسماحة السيد أحمد الصافي (107)

 أسهل تعريف للخطرات النفسية أنها الأفكار والانطباعات التي تومض في الفكر قبل أن تتحول إلى أفعال. وموضوع الخطرات عند علماء النفس موضوع حيوي لدراسة الإرادة ومصدر الوعي، وفي منظور أهل البيت (عليهم السلام) تُعرف بالأفكار والهواجس، وتُصنَّف إلى خواطر رحمانية تقود إلى الخير والطمأنينة، وخواطر شيطانية تُسمّى الوسواس والهوى.

ويؤكد تراث أهل البيت (عليهم السلام) أهمية مراقبة هذه الخطرات وجهاد النفس لإبعاد السلبي منها قبل تحوله إلى سلوك عملي.

يرى سماحة السيد أحمد الصافي أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يعلن التوبة عن كل ما يخالف إرادة الله سبحانه وتعالى، أو عن كل ما يزيل محبة الرحمن من القلب. ثم يذهب إلى شرح وبيان مفهوم الخطرات، لأن الاستسلام لها بداية مشروع فاسد، وحالة من الابتعاد عن جادة الصواب. فالالتزام بالدين الحنيف يزوّد الإنسان بمقومات معرفية تجعله قادرًا على قيادة نفسه ومراقبة كل شيء فيها، حتى لحظات العين، ويحذّره من وساوس الشيطان الذي يوهمه بالتمكن وضبط النفس، بينما النظرة المحرمة سهم من سهام إبليس.

إن النظم المعرفية التي يشيعها منهج أهل البيت (عليهم السلام) عبارة عن قيم وأساليب تحصّن الإنسان من السقوط في حبائل الشيطان، وتمنحه النجاة من غوايته، والسعي الجاد لتزكية النفس وتعزيز القيم الإنسانية.

والتزكية الحقيقية هي معرفة الله سبحانه وتعالى، واليقين بمحبته وإرادته، والمحبة والمودة والقرب الروحي إليه. ومن أهم سمات تزكية النفس استثمار هذا القرب الروحي، الذي هو نعمة إلهية وهبة من الله تعالى، ليُبعد عنا نقمته، ويهبنا بالعفة الاستقرار النفسي. وللمعرفة دور مهم في تزكية النفس وصونها عن الزلل.

إلى حدّ أن الذنب لا يُقاس بصغره أو كبره؛ فقد قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا غمزت لنا لنعرف ما تريد؟ فأجابهم: «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين». فالوعي هو المدرك لمعرفة النفس، لتدرك بدورها معرفة الله سبحانه وتعالى.

وكل ذنب، مهما كان صغيرًا بحسب مفهوم الناس، فهو كبير؛ لأن فيه جرأة على الله تعالى، ولا صغيرة مع الإصرار. وخائنة الأعين لا تشمل النظر إلى الأشياء المحرمة فقط، وإنما الغمز خلاف القول نوع من لحظات العيون.

وقد ركّز الإمام السجاد (عليه السلام) على ثلاث خطرات: الأولى خطرات القلب، والثانية خطرات العين، والثالثة خطرات اللسان، التي عبّر عنها سماحة السيد أحمد الصافي بأنها أضرّ الجوارح، ولعلها من أكثر الجوارح التي ابتُلي بها الإنسان؛ فهي تضر بعلاقة الإنسان مع نفسه، وتضر أيضًا بعلاقته بربه، وتعمر العلاقة مع عدوه الشيطان.

ورد في بعض الروايات أن الجوارح كلها تنظر إلى اللسان وكأنها تقول له: احفظنا، وإياك أن تتكلم بكلام يذهب بنا إلى المهالك. فحكايات اللسان من موارد التهلكة، وقد احتوت الصحيفة السجادية على محاور لها القدرة على أن ترسم للإنسان مسيرة حياته، ولهذا كان التركيز على خطرات القلب والعين واللسان.

فيمكن لكلمة واحدة أن تنتشر بين الناس، ثم يتبين أنها افتراء، ولم يأذن الله تعالى لنا بأي لفظ يسيء إلى الناس، مثل الغيبة، أو هتك ستر العيب المستور بإشاعة الفاحشة، وربما ارتكب الواشي إثمًا أكبر من الذنب نفسه. لقد أمرنا الله أن نستر العيب، فكيف إذا كان العيب غير موجود أصلًا؟! فهذا افتراء.

واستسهال الكذب وتشويه الحقائق من أعظم الكبائر في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد وضع أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) منهجًا صارمًا لتحرّي الصدق، ونبذ كل أشكال الكذب والبهتان والإسقاط، واعتبروا الافتراء خروجًا عن الإيمان.

وتاريخنا اليوم فيه الكثير من القصص التي لا واقع لها، بل هي مجرد افتراء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وافتراء على الأئمة (عليهم السلام). وقد حذّر الأئمة (سلام الله عليهم) الأمة من الروايات المكذوبة حمايةً للدين من الدس والتزوير، ولهذا عدّوا خطرات اللسان من أخطر ما يمر به الإنسان.

ويومض لنا سماحة السيد أحمد الصافي بعض الومضات المؤثرة التي تترك أثرها التوجيهي في عقل المتلقي، لخلق التأثير القوي وتعزيز الوعي. فمثلًا ينقل إلينا ما ورد في بعض الروايات: «فأصمت لسانك إلا من خير»، بمعنى أن الكلام إذا كان فيه إصلاح ذات البين، أو دعوة إلى الحق، أو كلام هداية، فالكلام أفضل من السكوت.

ويقول الإمام السجاد (عليه السلام): «توبة تسلم بها كل جارحة على حيالها»، أي بمفردها، بمعنى: إني لم أرتكب بيدي، ولم أرتكب برجلي، ولم أرتكب بعيني، ولا بلساني، ولا بأذني.

وذكر لنا في ومضاته بعض السلوكيات التي يسمو بها الإنسان؛ فرجل اعتدى على مالك الأشتر، وهو القائد العسكري بمنزلة وزير الدفاع عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحين علم أنه مالك ركض وراءه يريد أن يعتذر خوفًا من أن يفتك به، فوجد مالكًا قد دخل المسجد ليستغفر له.

وومضة أخرى عن سلمان المحمدي، سلمان أهل البيت (عليهم السلام)، إذ كان أهل المدائن ينتظرون موكب الوالي الجديد، فدخل سلمان على حماره، فسألوه: يا هذا، ألم ترَ موكب الوالي؟ فقال: أي موكب؟ قالوا: لقد بعث لنا والٍ جديد ونحن جئنا لاستقباله. فأجابهم: أنا الوالي الجديد.

هذه الومضات تريد أن ترشدنا إلى أن الأخلاق لا علاقة لها بتبدل الأزمنة وتغيرها، فالأخلاق هي الأخلاق في كل زمان ومكان، سواء أكان الزمن قديمًا أم حديثًا. لكن الناس ساءت أخلاقها، وصارت تنظر إلى الأشياء بمنطق آخر.

يقول الإمام (عليه السلام): «يا معاشر الناس، التفتوا ولا تأخذكم هذه الدنيا يمينًا ويسارًا، وإنما كونوا صادقين معه».

✦كتابات في الميزان✦

يتناول المقال منطقة شديدة الحساسية في البناء الأخلاقي للإنسان، وهي اللحظة التي تسبق الفعل، حيث تبدأ الخاطرة ثم تتحول، إن تُركت بلا رقابة، إلى موقف وسلوك. ويُبرز النص، عبر قراءة السيد أحمد الصافي للصحيفة السجادية، أن تزكية النفس لا تبدأ بعد ارتكاب الخطأ، بل من مراقبة القلب والعين واللسان قبل أن تنفلت إلى الذنب. ومن هنا تتحول الأخلاق من موعظة عامة إلى ممارسة يومية دقيقة في صناعة الإنسان.

المصابيح.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!