كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

توجيهات المرجعية العليا لإصلاح وبناء الهوية العلمية للجامعات العراقية

إن الجامعات العراقية، الحكومية والأهلية، تعاني من كثير من الإخفاقات العلمية على مستوى الهيئة التدريسية وطلبتها، فضلاً عن بنيتها التحتية من قاعات ومصادر علمية وأجهزة، وهذا ما دفع المرجعية العليا إلى الحث على إصلاح الواقع وبناء الهوية العلمية؛ إذ إن نهضة الأمم حضارياً وعلمياً تستند إلى مؤسساتها التعليمية.

فقد وجّه السيد المرجع إلى عدم الاعتماد الكلي على مصادر الآخرين، بل يجب السعي إلى امتلاك المعرفة، وتطوير مستوى البحوث التطبيقية الرصينة بما يخدم سوق العمل، ويسهم في حل المسائل التي تواجه أبناء المجتمع. وهذا يُعد إطاراً إصلاحياً عميقاً للعملية التعليمية، يتجاوز حدود التلقين التقليدي، بحيث لا يصبح الرسوب والنجاح هما الغاية، بل يكون بناء الإنسان المنتج للعلم والقيم والإبداع هو الهدف الأساس.

كما تحث التوجيهات على البحث عن المبدعين والموهوبين، وكيفية التخطيط لخلق بيئة تناسب مستواهم العقلي، وربط ذلك بالجانب الأخلاقي والتربوي لأهميته في تحقيق التوفيق. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «ليس العلم بكثرة التعلّم، إنما هو نور يضعه الله في قلب من يريد أن يهديه، فإذا أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية...»، أي إن على المدرس أن يكون مصلحاً أخلاقياً، مع امتلاكه المعرفة الكاملة بمادته العلمية وامتداداتها.

كما أشارت المرجعية إلى أن الأستاذ الجامعي ليس مجرد ناقلٍ للمعلومات، بل يجب أن يقترن نقل المعلومة الحديثة والمهمة بنقل الخبرة العملية والمهارة، وتوظيف ذلك لخدمة المتعلمين، مع السعي إلى الارتقاء بالجانب العلمي والقيم الأخلاقية والتربوية.

ومن أجل خلق جيل قادر على كسر الجمود وتقليل الفجوة مع التقدم الحاصل في البلدان الأخرى، فإن ذلك يتطلب عدم الاعتماد على الجانب النظري ومحدودية المناهج، بل التوسع في المعرفة، والتحول نحو البحوث التطبيقية، وتغيير المناهج، واختيار العلوم التي تناسب التحولات العلمية السريعة في العالم.

ويُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام: «خذوا من كل علم أحسنه، فإن النحل يأكل من كل زهر أزينه، فيتولد منه جوهران نفيسان: أحدهما فيه شفاء للناس، والآخر يُستضاء به»، أي اختيار العلوم التي تسهم في حل المسائل الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، من خلال التفكير باستخدام الطرق والأساليب التي توفر فرصة النقد والتحليل والعمل الجماعي بين طلاب العلم.

وأخيراً، كانت هناك إشارة من السيد المرجع إلى الحث على القيم الأخلاقية، وتجنب الصراعات على المناصب، والابتعاد عن تقديم المصالح الشخصية وتعطيل الطاقات العلمية، فضلاً عن الابتعاد عن الحسد. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إياكم والخصومة، فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن»، فهي تُعد بيئة مناسبة للتخلف.

وقد بيّن السيد المرجع أن أزمة المؤسسة العلمية ليست أزمة مناهج فحسب، ولا تُبنى بالشعارات، بل هي أزمة رؤية ورسالة وأهداف؛ لذلك يجب أن يكون التعليم قادراً على صناعة إنسان ناقد، مبدع، منتج، أمين، وواعٍ بما يحتاجه وطنه.

✦كتابات في الميزان✦

يضع المقال إصلاح الجامعة العراقية في إطار أوسع من تحديث المناهج، إذ يربط بين المعرفة والبحث التطبيقي والقيم الأخلاقية وصناعة الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع. وتبرز أهميته في الدعوة إلى تجاوز ثقافة التلقين، والانتقال نحو جامعة تصنع المعرفة لا تكتفي باستهلاكها. كما يؤكد أن أزمة التعليم ليست تقنية فقط، بل هي أزمة رؤية ورسالة وهوية علمية متكاملة.

الجامعات.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!