«أنفق كل الأموال، واقتل كل الموالين، واهدم بغداد على مَن فيها حتى تظفر به، ولا ألومك».
تُنسب هذه الوصية إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وهو يخاطب ابنه المهدي بشأن عيسى بن زيد، ذلك الثائر العلوي الصامت الذي توارى في الكوفة، وعاش فيها بهوية مجهولة، حتى إن زوجته لم تكن تعرف من نسبه سوى أنه رجل غريب.
ويُنسب إلى المنصور قوله لابنه أيضًا: «يا بني، إني لا أترك خلفي شيئًا أخافه عليك إلا عيسى بن زيد».
كان عيسى بن زيد عالمًا زاهدًا ورعًا، عُرف بالشجاعة والفقه وقوة الموقف. خرج مع محمد بن عبد الله، المعروف بالنفس الزكية، وحين استُشهد محمد، انضم عيسى إلى ثورة أخيه إبراهيم، فكان من أبرز قادتها وحامل رايته.
وبعد استشهاد إبراهيم، اختفى عيسى وتوارى في الكوفة، شريدًا طريدًا تلاحقه السلطة العباسية. وقد قال عنه الحسين بن علي، صاحب ثورة فخ: «ما فينا أحد خير من عيسى بن زيد».
اختفى عيسى في دار علي بن صالح بن حي، وعمل سقاءً، ينقل الماء على جمل طلبًا للرزق وإخفاءً لهويته. وتزوج ابنة الرجل الذي آواه من غير أن يكشف لها حقيقة نسبه، فظلت لا تعرف أنه من أحفاد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وكان الحسن بن صالح بن حي من علماء الكوفة وفقهائها، ومن أصحاب عيسى والمخلصين له. وقد قال له يومًا: لقد اجتمع لك عشرة آلاف من أهل الكوفة، فانهض بهم.
فأجابه عيسى: «والله، لو أعلم أن بينهم ثلاثمئة صادقين لخرجت قبل هذا الصباح، ولكني أعلم ما في نفوس القوم».
لم تكن أزمة عيسى في قلة الأنصار، بل في قلة الصادقين المستعدين لتحمل تبعات الثورة. فقد أدرك، بتجربته، أن كثرة الأسماء لا تصنع موقفًا، وأن البيعة التي لا تسندها التضحية قد تتحول عند أول اختبار إلى عبء على صاحبها.
وحين وصلت أخبار أنصاره إلى السلطة العباسية، اشتد البحث عنه، وبسط له المهدي الأمان، وأعلن استعداده لمنحه المال، إلا أن عيسى لم يظهر؛ فليس مثله مَن يُغرى بالمال أو يطمئن إلى وعود السلطة التي قتلت أباه وإخوته ورفاقه.
وفي سنوات اختفائه، وُلدت له ابنة، وكثُر خطابها، لكنه ظل يؤجل زواجها متذرعًا بحجج مختلفة؛ لأنه لم يكن يستطيع الإفصاح عن نسبها الحقيقي، ولا الكشف عن هويته.
وماتت ابنته قبل أن تتزوج، فبكاها بحرقة، وكان أشد ما آلمه أنها رحلت من الدنيا من غير أن تعرف منزلتها ونسبها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وظل عيسى مستترًا في الكوفة حتى وفاته. وتذكر الروايات الأشهر أنه مات في بيت علي بن صالح بن حي، ودُفن سرًا؛ خشية أن تعرف السلطة العباسية موضع قبره، فيتعرض للنبش أو التمثيل، كما فعل الأمويون بجثمان أبيه زيد بن علي وأخيه يحيى.
وتُنسب إلى عيسى مقامات في بعض مناطق العراق، لكن موضع قبره الحقيقي لم يُعرف على وجه اليقين؛ لأن أصحابه تعمدوا إخفاء خبر وفاته ومكان دفنه عن السلطة.
لقد شكّل عيسى بن زيد، مع أخيه يحيى وأبيه زيد، جذوة فارقة في تاريخ الثورة على الظلم والتصدي للطغيان. ولم تكن ثورتهم طلبًا لسلطة شخصية، بل موقفًا رافضًا للاستبداد والاضطهاد وملاحقة العلويين.
وكان لزيد بن علي ابن ثالث اسمه محمد، ومن ذريته حفيده محمد بن محمد بن زيد، الذي تولى قيادة ثورة أبي السرايا في الكوفة بعد وفاة محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا. وقد أُسر محمد بن محمد، ونُقل إلى المأمون، ثم توفي في مرو سنة 202هـ، وعمره عشرون عامًا، وتذكر بعض المصادر أنه مات مسمومًا.
لقد أورث زيد بن علي (عليه السلام) أبناءه وأحفاده روح الثورة، ورفض الظلم والطغيان والتعسف. وكانت الكوفة مسرحًا لثوراتهم، وموطنًا لأنصارهم والمؤمنين بعدالة قضيتهم وامتدادها لثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
أما عيسى بن زيد، فقد أثبت أن الثورة لا تكون دائمًا صرخةً في ساحة أو سيفًا في معركة؛ فقد يتحول الصمت نفسه إلى ثورة، حين يجعل وجودُ رجلٍ متوارٍ دولةً كاملة تعيش في الخوف، وتنفق أموالها وتستنفر رجالها بحثًا عنه.
كان صامتًا، لكن صمته أقضّ مضاجع الخلفاء؛ لأن السلطة لا تخاف صوت الثائر وحده، بل تخاف الفكرة التي يمثلها، والذاكرة التي يحملها، واللحظة التي يمكن أن يتحول فيها صمته إلى نهضة.
«كتابات في الميزان»
يقدّم المقال سيرة عيسى بن زيد بوصفها نموذجًا للثورة التي لا تحتاج دائمًا إلى سيف مرفوع؛ فقد كان اختفاؤه مصدر قلق دائم للسلطة العباسية. وتكمن قوة النص في ربطه بين الصمت والمقاومة، وبين عزلة الثائر وحضور فكرته في وجدان الناس، بما يكشف أن السلطة قد تخشى الرمز المستتر أكثر من المعارض الظاهر.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!