الحسين (عليه السلام) أكبر من أن تختزله قراءة علمانية متعجلة، تتخبط في فهم الواقع ولا ترى من قضية الشعائر الحسينية إلا ما ينسجم مع تصوراتها المسبقة.
تظهر بين الحين والآخر منشورات غريبة تطرح مزاعم لا يقبلها المنطق أو الضمير، وتدّعي أن الشعائر الحسينية تُبعد الإنسان عن العلم، وتُضعف حرصه عليه وتفانيه في سبيله.
ولبعض المتفلسفين طريقة خاصة في سرد أفكار مضطربة لا تقف عند حد؛ فتراهم يتصورون أن الشعائر الحسينية تُبعدنا عن الأثر الحسيني، ولا أدري عن أي أثر يتحدثون!
يطرح بعضهم في منشوره أن الشعائر الحسينية إضاعة للوقت، وأن إضاعة دقيقة واحدة تعني إضاعة فرصة حسينية. وهذه العبارة وأمثالها تذكّر الشعب العراقي بخطاب معروف المصدر؛ فقد كان الطغاة يرددون دائمًا: «إضاعة دقيقة من العمل تعني إضاعة فرصة من التقدم»، في الوقت الذي أضاعوا فيه العراق وقتلوا فرص تقدمه.
ويرى آخرون أن الشعائر تقتل السلام، وتغرس في وعي الناس صور الحرب والدمار.
يا سبحان الله! أكلُّ هذه الشرور حلت بنا لمجرد أننا خرجنا في مسيرة سلمية نقصد بها زيارة إمامنا الحسين (عليه السلام)؟ وكيف يُعد هذا الأمر غلوًا؟
والغريب أن صاحب هذا الرأي يسرد إنسانية الإمام الحسين (عليه أفضل السلام)، ويجعل من نفسه أول المؤمنين بقضيته، وهنا يحق لنا أن نسأله: هل يستطيع إدانة قتلة الحسين ولعنهم؟ ومن منا أقرب إلى الحسين وإلى الانتساب لمشروعه الإنساني والتضحوي الكبير؟
ويترك هؤلاء ما تسمو به الشعائر من فضائل إنسانية، وما تؤديه من دور في إبقاء ذكرى عاشوراء حية، ثم يختزلون القضية في حساب اقتصادي مجرد، ويعدّون إطعام الزائرين نوعًا من الترف وإهدار الأموال.
يا أخي، هذه الأموال ليست من خزينة الدولة، ولا من المال العام، وإنما هي أموال خاصة يتبرع بها أصحابها طوعًا، ويفرشون بها موائد الزاد لعامة الناس.
وكان الأجدر توجيه النقد إلى من يمنع الطعام عن الفقراء، ويهدر أموال الشعوب في النزاعات والحروب والفساد، بدل الاعتراض على ما ينفقه أصحاب المواكب من خالص أموالهم؛ فهم أحرار في أموالهم ما دام إنفاقها لا يعتدي على حق عام أو خاص.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كان النهج الحسيني سببًا في دمار البلاد، أم الأنظمة السلطوية التي رفعت شعارات مختلفة، ومنها شعارات علمانية، ثم أدخلت الشعوب في الحروب والمآسي؟
وأين كان أصحاب الحسابات الرقمية الدقيقة من الحروب التي أقامتها تلك الأنظمة؟ وأين كانوا من الخراب الذي عم البلاد؟ وهل من المنطق أن يتركوا كل هذا الفساد وراء ظهورهم، ثم يحصروا حديثهم في الشعائر الحسينية؟
إن التحدث بطريقة تقويمية عن شعيرة معينة أمر مقبول، بل قد يكون مطلوبًا لتصحيح الأخطاء وتطوير الممارسات. أما رفض الشعائر برمتها، والحكم عليها بأنها ضد العلم والسلام، فيكشف عن موقف قسري لا يقبل بغير رؤيته.
لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن الشعائر إلى رفض للنقد، كما لا يجوز أن يتحول النقد إلى عداء للشعائر أو ازدراء لمعتقدات الناس. فالشعيرة الواعية لا تخشى التقويم، لكنها ترفض الاجتزاء والتعميم والتشويه.
إن الشعائر الحسينية في جوهرها ليست دعوة إلى الحرب، وإنما هي إحياء لقضية إنسان ثار على الظلم، ورفض الذل، وضحى من أجل الإصلاح والكرامة والعدالة.
وفي مواسم الزيارة تتجلى صور التضامن والتكافل والإيثار؛ إذ يفتح الناس بيوتهم للزائرين، ويقدمون الطعام والماء والعلاج والمبيت من دون مقابل، ويتساوى الغني والفقير في طريق الحسين.
فأي رسالة سلام أبلغ من أن يجتمع ملايين البشر على الخدمة والتراحم والتعاون؟ وأي معنى إنساني أعمق من أن يقدم الإنسان ما يملك لضيف لا يعرف اسمه أو بلده، لكنه يراه شريكًا في المحبة والانتماء؟
إن الشعائر الحسينية الواعية لا تقتل السلام؛ بل تحييه، ولا تعادي العلم؛ بل تحتاج إليه لتنظيمها وتطويرها وحماية مقاصدها. أما اختزالها في صور الدم والحزن والإنفاق، فهو قراءة مبتورة لا ترى من المشهد إلا ما تريد أن تراه.
أما المستويات الفكرية المهزوزة التي تتخذ من مهاجمة الشعائر بابًا للشهرة والحضور، فإنها قد تصنع ضجيجًا عابرًا، لكنها لا تستطيع اقتلاع شعيرة رسختها قرون من الإيمان والذاكرة والتضحية.
«كتابات في الميزان»
يدافع المقال عن الشعائر الحسينية بوصفها مساحة للتكافل والإيثار وإحياء قيم الإصلاح، ويرفض اختزالها في حسابات مادية أو صور نمطية مرتبطة بالعنف. وتزداد الحجة قوة حين تميز بين النقد التقويمي المشروع وبين الرفض الشامل للشعائر، مؤكدة أن الممارسة الحسينية الواعية تستوعب النقد والعلم، وتحفظ في الوقت نفسه جوهرها الإنساني والروحي.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!