عرفتُ الشيخ أسد قصير من سنواتٍ طويلةٍ، يوم كان يخرج على قناة الكوثر يجيبُ عن أسئلة المشاهدين الفقهيَّة، وكنتُ ألاحظ عليه أخطاءً في بعض الأجوبة، عزوتها يومئذٍ إلى خطأٍ في فهم السؤال، أو اشتباهٍ في تقدير الموقف، ثم لمستُ منه أمرين:
الأوّل: عداءه لمرجعيَّة السيد السيستاني (دام ظلّه)، فقد تأسَّف ذات مرةٍ؛ لأنَّ بعض من سأله من العراقيين كان يقلّد السيد السيستاني (دام ظلّه)، وطلب منه أن يهاتفه بعد البرنامج ليرشده إلى المرجع الذي ينبغي تقليده!! مع أن ملايين المؤمنين يقلّدون مراجع غير سماحة السيد، لِم لا يطلب منهم الاتصال به بعد البرنامج ليرشدهم إلى مرجعٍ آخر؟ فهل كلُّ هؤلاء تقليدهم صحيح، فإذا وصل التقليد إلى المرجع الأعلى صار تشخيص الأعلم فيه خطأ؟ إنَّ ذلك لعجيب.
الثاني: الكذب، فقد كذب مرَّةً على سماحة المرجع الأعلى وزعم أنُّه ثبت عنده في هذا اليوم عيد، والحق أنَّه لم يثبت، وأخبر بأنَّ اليوم من شهر رمضان.
ثمَّ – لأجل الحفاظ على الوحدة الإسلاميَّة – برَّر للمرأة أنَّها كانت منفعلةً نفسيَّاً يوم حاربت أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الجمل! فياله من تكذيبٍ لله ورسوله، وياله من انفعالٍ راح ضحيَّته ثلاثون ألف مسلم!
وما فتئ الرجل يزيد من حلقات تخبطاته في سلسلة أهوائه، حتى ختمها بالحلقة الأخيرة لا الآخرة، وهي اتهامه المؤمنين الموالين بعدم الولاء، وخلعه الولاء على المسلمين غير الموالين، وذلك من أعجب الحديث.
فزعم أنَّ الذين يخاف من التغريدات ليس حسينيَّاً، وأنَّ الحسينيّين جماعةٌ غيرهم، سمَّاهم بأسمائهم – ولولا سياسة الفيس لذكرتهم – وزعم أنَّ الدبلوماسيَّة لا تنفع، وأراد من الشعب العراقيّ القيام بثورة عشرين جديدة.
هاهم أخوته، وأبناء أمير المؤمنين (عليه السلام) في جبل عامل، قُتلوا، وشُّرّدوا، وهدمت بيوتهم، ما رأينا "الأسد" قام للكفاح، فكأنَّه كان من الذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم، وصار مصداقاً للذين يقولون ما لا يفعلون، وما أكثر ما يقول ولا يفعل! ولولا أنَّه لا شغل له إلَّا التنقّل من قناةٍ إلى قناةٍ فضائيَّةٍ أخرى لظننته في عداد الش-هداء لكثرة ما يتحدّث عن الش،هادة.
وأمَّا أنَّ الدبلوماسيَّة لا تنفع، فللدبلوماسيَّة مآرب وأغراض، منها إلقاء الحجَّة على الطرف الآخر، ومعرفة نيَّاته، وتفويت الفرصة عليه، وكسب الوقت، وغير ذلك، وها هي المفاوضات بين الجمهوريَّة وغيرها – رغم ضرب اتفاقيّاتها غير مرَّةٍ من المعتدي – لم يقطع حبل وصلها.
وأمَّا الدعوة إلى ثورة عشرينٍ جديدةٍ، فالمرجعيَّة العليا أعرف بتكليفها الشرعيّ منه ومن غيره، وقد أثبتت حوادث الأيَّام بما انطوت عليه من ظروفٍ حرجة، ومنعطفاتٍ خطيرة قدرتها الفائقة على التعامل مع الأحداث، فتقوم حين يكون القيام أمراً لازماً، وتقعد حين يكون القعود شيئاً محمودا، وتحرير العراق من براثن الغاشمين، وكتابة الدستور رغم التحديات شاهدا عدلٍ على حكمتها في السلم والح-رب.
الآن نأتي على كلامه: هل الخوف أمرٌ ينافي الإيمان؟
ليس الخوف منافياً للإيمان، هذا موسى (عليه السلام) كليم الله خرج من المدينة خائفاً على نفسه يترقَّب، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
سيقولون: إنَّ المعصوم لا يخاف على نفسه، بل على مشروعه الإصلاحيِّ؛ لأنَّ الخوف على النفس منافٍ للعصمة.
وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الخوف على النفس لا يُنافي العصمة، حيث إنَّ نفسَ المعصوم شعيرةٌ من شعائر الله تعالى، مثل الصفا والمروة بل أعظم، فكما يجب الحفاظ عليهما، يجب الحفاظ عليها من القتل.
ولهذا السبب نفسه، لما ورد الإمام الحسين (عليه السلام) الرهيميَّة سأله أبو هرم: يا ابن النبيّ! ما الذي أخرجك من المدينة؟
فقال (عليه السلام): ويحك يا أبا هرم! ، شتموا عرضي فصبرتُ، وطلبوا مالي فصبرتُ، وطلبوا دمي فهربت..
والسؤال: هل الإمام يهرب؟
وهل الهرب كان عن جبنٍ، أم حفاظاً على هذه النفس القدسيَّة التي هي من أعظم شعائر الله تعالى؛ لأنَّها من سنخ نفس جدَّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) القائل: حسينٌ مني وأنا من حسين؟
فالخوف هنا ليس بمعنى ضعف القلب، والهلع، والجبن، حاشا لله، بل هو الخوف على النفس من أن تهلك في غير سبيل الله، بأن لا يكون تكليفه الشرعيّ القيام، بل القعود.
وهذا ليس نقصا، كيف؟ ونفس الإنسان أعزُّ ما عليه؛ فيخاف عليها أن تهلك في غير مقام أداء التكليف المتوجّه إليه، فكيف إذا كانت نفس المعصوم التي لا تعادلها نفس؟
وثانياً: هذا اجتهادٌ في قبال النَّصِّ، فها هو موسى (عليه السلام) يقول: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، فلم يقل: ففررتُ منكم لمَّا خفتكم على مشروعي الإصلاحيّ.
سيقولون أخرى: إنَّما خاف على نفسه القتل؛ خشية أنْ لا يتمَّ المشروع الإصلاحيُّ، فالخوف منافٍ للعصمة.
حسناً، فهل كان لموسى (عليه السلام) مشروعٌ إصلاحيٌّ لمَّا ولَّى مُدبراً ولم يُعقِّب قبل أن يُنبَّأ برسالته، حتى قال له الله تعالى: ﴿يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؟
إذن الخوف ليس عيباً؛ لأنَّه نابعٌ من دوافع عقلائيَّةٍ، وإلَّا ما نفع تهوّر من ذكرَ وجماعته؟
أمَّا المدينة فقد أُبيدت، وأمَّا الناس فقد قُتلوا، وسيوقف الله تعالى القادة غداً بين يديه ليسألهم عن الحجَّة الشرعيَّة في قتال هؤلاء مع عدم القدرة عليهم.
سينبري المندفعون ليقولوا: هذا ج،ه،ادٌ دفاعيٌّ، وتلك حجَّتهم.
الج،،هاد الدفاعيُّ هناك له شروطٌ، فقد أفتى السيّد محسن الحكيم (قدس سره) في جواب استفتاءٍ في 9 ربيع الأوَّل سنة 1388 هـ عن جواز التطوّع في سلك العمل الفدائيِّ قال -قُدِّس سره-:
(بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد. التطوّع المذكور من أفضل الأعمال، بل من أهمِّ الواجبات الدينيَّة إذا كان جارياً على الموازين اللازمة: من قيادةٍ حكيمةٍ، وكان بحيث لا يلزم منه ضررٌ على المسلمين أعظم من الأضرار بالعدوِّ المجرم – خذله الله تعالى – والله سبحانه الموفِّق).
والسؤال: هل تحقَّق الإضرار بالعدوِّ؟
وهل هذا الإضرار بالعدوِّ أعظم من الإضرار بالمسلمين؟
وهل كانت القيادة حكيمةً؟
الحكمة أنْ تحفظ دماء المسلمين، فإنَّ القاعدة الأوليَّة في جميع الأحكام الإباحة، إلَّا ما كان في الدماء والفروج، فإنَّ الأصل الأوَّليَّ فيهما الحرمة، فبأيِّ دليلٍ شرعيٍّ، وحجَّةٍ قويمةٍ خرجوا عن هذا الأصل؟
لمَّا أراد المغول دخول الحلَّة والكوفة والنَّجف وكربلاء أيَّام غزوهم العراق، انبرى لهم علماء الإماميَّة الحسينيُّون، واتَّبعوا معهم التقيَّة حتى جعلوهم يعتنقون الإسلام، فقد بدأت القصَّة بذهاب والد الشيخ الحلِّيِّ يوسف بن عليٍّ إلى هولاكو وحده، فقال له هولاكو: كيف جئتني ولم تخف منِّي؟
قال له الشيخ (قدس سره): روينا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ مدينةً بالعراق اسمها الزوراء، سوف يقدمهما ملك: (لا يمرُّ بمدينةٍ إلَّا فتحها، ولا تُرفع عليه رايةٌ إلَّا نكسها، الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر)، فرأينا هذه الصفات فيك فقصدناك.
فطيَّب قلوبهم، وكتب لهم أماناً للمدن المقدَّسة الأربع، فحافظوا بهذا التدبير العقلائيِّ على الديِّن، وعلى أرواح الرجال وأعراض النساء من ذلك الغزو الذي فتح دولاً كثيرةً.
وما زالوا به حتى جعلوه يقتنع بمذهب الشيعة في قصَّةٍ طويلةٍ.
فليس أسلوب المواجهة هو الأسلوب الأمثل دائماً في إدارة شؤون البلاد والعباد، بل الحكمة تنفع في أحايين كثيرةٍ، حتى غاندي "محرِّر الهند"، والذي يقولون إنَّه قال: تعلَّمت من الحسين أنْ أكون مظلوماً فانتصر، استعمل أسلوب الحكمة في طرد الاحتلال الإنكليزيِّ من الهند، وذلك عن طريق العصيان المدنيِّ.
وكما جعل القصير لنفسه معياراً للحسينيَّة، تعالوا نجعل معياراً لها، وهو الولاء لعليٍّ وآل عليٍّ (عليهم السلام).
لو بُعثت ،حر-ب الجمل الآن، وكانت المرأة في صفٍّ، وأمير المؤمنين في الصفِّ الآخر، وبُعِث من وصفهم بالحُسينيّين من رفاتهم، سيقفون مع مَنْ؟
والسؤال الأهمُّ: أسد قصير سيقف مع مَنْ؟
من خلال توجُّهاته أقول: سيقف مع صاحبة ماء الحوأب.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!