ما روضُ مكةَ قُدسياً أطوفُ به *** طوفَ المشوقِ إذا أنصفتَ كالنَّجفِ
من قصيدةٍ لي كتبتها قديماً في مدح أميرِ المؤمنين - عليه السلام - مطلعها:
يا حاديَ العيسِ عرِّجْ بي على النَّجفِ *** أنِخْ مطاياكَ فيها ساعةً وقفِ
وكنتُ لم أتشرّف بعد بلثم أعتاب الكعبة المشرَّفة، ولو لثمتُها من قبلُ ما كتبتُ هذا البيت من بعد.
هذا انطباعٌ شخصيٌّ خاصٌّ، لا يستند إلى فتوى مرجعٍ ما.
ولعلَّ سرَّ هذا الجذب الخاصّ في مكَّة المكرَّمة هو وجود أنفاس الإمام المهدي (عليه السَّلام) فيها، و في دعاء الندبة: "لَیتَ شِعْرِي أَینَ اسْتَقَرَّتْ بِك النَّوَی؟ بَلْ أيُّ أَرْضٍ تُقِلُّك أَوْ ثَرَی؟ أَبِرَضْوَی أَوْ غَیرِهَا أَمْ ذِی طُوًی"؟
و "ذي طوى" بمكَّة المكرَّمة، وفي بعض الروايات أنَّ الإمام (عليه السلام) ينتظر أنصاره في هذا المكان.
أضف إلى ذلك أنَّ مطلع مشرق الإمامة كان من أفق الركن اليمانيِّ من هذا المكان، حيث ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام)
وهنا كانت خطوات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في هذا المكان جيئةً وذهابا.
ولقد عيَّرني مُعيِّرٌ – على هذه الصفحة – قبل أيَّام بزيارتي مكَّة المكرَّمة قائلاً: كيف تزور مكاناً تحت سلطة قومٍ قت-لوا اليمنيين الأبرياء!!
وقال: زُر الإمام الحسين (عليه السلام) فهو خيرٌ لك!
ثمَّ استدلَّ بمضمون قوله (صلى الله عليه وآله): « حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة »
وهذا لمزٌ عجيبٌ غريبٌ، وكأنني أنفقتُ ما أنفقتُ من مالٍ، وبالأقساط حتى أزور الرياض، أو جدَّة، أو ألتقي بالملك أو وليّ العهد هناك!
وكأنني لم أتحمّل وعثاء السَّفر لأزور بيت الله الحرام، وأطوف بالكعبة سبعاً، وأصلي خلف مقام إبراهيم (عليه السلام)، وأسعى بين الصفا والمروة، وأقصّر إلَّا لمرضاة السلطة هناك.
أما زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فلله الحمد والمنَّة أزوره في المواسم العباديَّة، خصوصاً عرفة، والعاشر، والأربعين، ناهيك عن زياراتٍ متفرقةٍ في أزمنةٍ متفرقة.
الحجُّ والكعبة تحت سلطة الظالمين.
لقد حجَّ الإمام الحسن (عليه السلام) حافياً خمساً وعشرين مرَّةً والنَّجائب تُقاد بين يديه، ومع هذا يقول: إنّي أستحي من ربي أنْ ألقاه ولم أمشِ إلى بيته!!
هذا وكان بإمكانه الركوب، فالنَّجائب (الجمال الفارهة) كانت بين يديه، ولكنَّه حجَّ ماشياً خمساً وعشرين مرةً؛ تواضعاً لله تعالى، وتعظيماً للبيت الحرام، من غير حجّه راكباً، فلا نعرف كم مرَّة حجَّ فيها راكبا.
وجميع هذه الحجَّات كانت أيَّام خلفاء الجور الذين ق،تلوا أصحابه وأصحاب أبيه، وهم أعظم من هؤلاء اليمنيين بلا إشكال، ففيهم عمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاريّ، وحجر بن عدي، وغيرهم.
وجميع حجّ الأئمَّة (عليهم السلام) كان والكعبة تحت سلطة الأمويين والعبَّاسيين.
بل ورد في بعض الروايات أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يحضر موسم الحجّ، يرى النّاس ولا يرونه، ويعرفهم ولا يعرفونه، ومنها مواسم العقود الأخيرة التي الكعبة فيها تحت سلطة من بيدهم السلطة الآن.
الكلام في الحديث
أما استشهاده بمضمون حديث: « حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة »، فهنا لبيان عظمة حرمة المؤمن، لا أنَّ حرمته أعظم فعلاً من حرمة الكعبة.
بيانُ ذلك:
أبوك يقول لولد الجيران: أنتَ أعزُّ عليَّ من ولدي
هذه الجملة يُفهم منها معنيان:
الأول: وهو أنَّ ولد الجيران أعزُّ عند أبيك منك فعلاً، على وجه الحقيقة لا المجاز، وهذا يصادم حقيقة أنَّ الابن أعزّ على أبيه من كلّ مخلوق، وعليه يحمل على المعنى الثاني.
الثاني: أنَّ هذا الإخبار لا يُراد منه المعنى الحقيقيّ، بل معنىً آخر، وهو أنَّ معزَّتك غاليةٌ جداً، فأنت عزيز.
كما يُقال في وصف كريم: إنَّه أكرم من حاتم الطائيّ، وقد لا يكون أكرم منه، ولكن كناية عن مبلغ كرمه وإنَّه كثيرٌ جدّا.
والقرينة على صحة هذا المعنى أنَّ بعض الأحاديث جعلت سفك دم الأنبياء (على نبيّنا وآله وعليهم السلام) وهدم الكعبة، والزنا بمئة امرأةٍ على وزانٍ واحدٍ، ولا ريب أن كلَّ واحدةٍ من هذه أعظم من حرمة المؤمن.
ولعظمة حرمة الكعبة، خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من مكة، وقلب حجَّه إلى عمرةٍ مفردةٍ حتى لا تُهتك بقتله حرمة الكعبة، وقال لابن الزبير " والله لأن أُقْتَل خارجاً منه [الحرم المكيّ] بشبرٍ، أحبّ إليّ من أن أُقْتَل داخله بشبر"
المعنى الحقيقي.
ولو قيل بأنَّ المعنى يحمل على الحقيقة، فالمراد بالمؤمن هنا الإمام المعصوم (عليه السلام)، فقد سأل عَبَّادٌ اَلْبَصْرِيُّ الإمام الصادق (عليه السلام) قائلاً: حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْكَ!
قَالَ الإمام الصادق (عليه السلام): «وَمَا هُوَ؟»
قَالَ: قُلْتُ حُرْمَةُ اَلْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ هَذِهِ اَلْبَنِيَّةِ؟
فكأنَّ عبَّاداً تعجَّب كيف تكون حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة؟
فأجابه الإمام الصادق (عليه السلام) قائلاً: «قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ، إِنَّ اَلْمُؤْمِنَ لَوْ قَالَ لِهَذِهِ اَلْجِبَالِ أَقْبِلِي أَقْبَلَتْ"
يعني، المؤمن الذي له تلك المرتبة العالية بحيث له الولاية التكوينيَّة يُسيِّر بها الجبال، هو المؤمن الذي تكون حرمته عند الله أعظم من حرمة الكعبة.
قَالَ عبَّاد: فَنَظَرْتُ إِلَى اَلْجِبَالِ قَدْ أَقْبَلَتْ!
فَقَالَ لَهَا [للجبال] الإمام الصادق (عليه السلام): " عَلَى رِسْلِكِ إِنِّي لَمْ أُرِدْكِ".
الصورة الثالثة لوادي "ذو طوى"


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!