لك أنْ تختلف – إن كنتَ أهلاً للخلاف – مع الآخر في رؤيته الفقهيَّة،
ولك أنْ تُخطّئ ذلك الآخر في مستند دليله،
ولكن، إذا كان الدليل مستنداً إلى آيات القرآن الكريم، أو حديث المعصوم (عليه السلام) مادَّة استنباط الخصم، ودليل استنتاج المقابل، فليس لك الحقّ الاستهزاء بالآية والحديث.
والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه، صار الاستهزاء بفقه الثَّقْليْنِ (القُرآن والعترة) مادَّة التفكّه والتندّر، مرَّةً يعيّرون الفقهاء : بفقهاء الحيض والنّفاس، وأخرى بكونهم أحلاس البيوت.
وكأنَّ عندنا قرآنين: قُرآنٍ وردت فيه آية (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ)، فذلك يحقُّ لك أنْ تستهزئ به
وآخر نزلت فيه آيات الجهاد، فذلك على الرأس والعين
هذا أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو حريٌّ بالتقديس
وذاك نزل على قلب الفقهاء الذين يختلفون معهم في الرأي، فهو حقيقٌ بالاستهزاء!
أخوتي الكرام، فقه الحيض نزل فيه قرآنٌ من الله تعالى، جاء به الوحي المبين على القلب الأمين، فهذا ليس مقوله مرجع، وكلمة فقيه، بل كلمة الله تعالى.
وحديث "كونُوا أحلاس بيوتِكم" وحديث "التقيَّةُ ديني ودين آبائي، ولا إيمانَ لمن لا تقيَّة له) هذان نطق بهما الإمام الصادق (عليه السلام) فلك أنْ تهزأ به!
وخروج الإمام الحسين (عليه السلام) فهذا فعل الإمام المعصوم الذي يجب الأخذ به.
وكأنَّهما لا يُفرغان عن لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
فالإمام الصادق (عليه السلام) هو إمام المراجع الذين آثروا القعود
والإمام الحسين (عليه السلام) هو إمام المراجع الذين آثروا القِيام
فكأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرج الإمام الصادق (عليه السلام) من دائرة الثقلين تخصصاً، وقصر تلك الدائرة المعصومة على الإمام الحسين (عليه السلام) بالخصوص؛ لذلك جاز الاستهزاء بكلِّ حديثٍ ورد عن الإمام الصادق لا ينسجم مع متبنياتنا، ولا يستقيم مع رؤيتنا.
ولستُ – هنا – بصدد نقاش فكرة صحة رأيٍّ من عدمه، فلستُ فقيهاً، ولا أفهم كلام الفقهاء، فالقائم منهم مأجورٌ باجتهاده، والقاعد منهم معذور في رأيه، لكنَّ مصبَّ الحديث – كلَّ الحديث لا تستهزئ بكلام المعصوم.
وهنا أستشهد بكلام السيد الخمينيِّ (قدس سره) نفسه في الكلام عن فقهاء الحيض والنفاس، بما رعف به قلمه، وخطَّته يمينه في كتابه (الحكومة الإسلاميَّة)
هناك أكَّد أمرين:
الأول: أنَّ فقهاء الحيض والنفاس كلمةٌ جاء بها أعداءُ الإسلام
الثانية: أنَّ فقهاءنا ليسوا فقهاء السلطان، بل هم غيرهم.
قال قدس سره (ولكنَّ أعداء الإسلام أظهروا الإسلام بغير هذا المظهر....فقالوا عن الإسلام: إنَّه لا علاقة له بتنظيم الحياة أو المجتمع، أو تأسيس حكومةٍ إسلامَّيةٍ من أي نوعٍ، بل هو يعني بأحكام الحيض والنفاس) ص26
فانظر كيف نسب هذه المقولة السخيفة إلى أعداء الإسلام، وصار بعض الببغاوات يلوكونها من غير فهمٍ، ومن دون تدبّر.
وقال مرةً أخرى (ولكنَّ الأجانب وسوسوا في صدور الناس والمثقفين منهم خاصة أنَّ الإسلام لا يملك شيئاً، الإسلام عبارة عن مجموعة أحكام الحيض والنفاس، طلبة العلوم الدينيَّة لا يتجاوزون في تخصصهم هذه المواضيع) ص29
وقال عن فقهاء الإماميَّة -أعزَّهم الله تعالى - (حجَّة الله تعني أنَّ الإمام مرجعٌ للناس في جميع الأمور....وكذلك الفقهاء) ص106
وقال أخرى (فالفقهاء اليوم هم الحجَّة على الناس، كما كان الرسول (صلى الله عليه وآله) حجَّةً عليهم) ص109
ثم قال عن فقهائنا (وبالطبع، فقهاؤنا – كما تعرفون – من صدر الإسلام إلى يومنا هذا، أجلُّ من أنْ ينزلوا إلى ذلك المستوى الوضيع (مداهنة السلاطين)، وفقهاء السلاطين كانوا دائماً من غير جماعتنا). ص109
قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴾ [الكهف: 103 - 106]
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال حدًّا فاصلًا بين نقد الاجتهاد الفقهي، وهو حقٌّ لأهل الاختصاص، وبين تحويل النصوص الدينية ومسائلها الشرعية إلى مادة للسخرية والتندّر. ويؤكد أن اختلاف مواقف الفقهاء بين القيام والقعود لا يسوّغ الاستهانة بالقرآن أو بأحاديث المعصومين (عليهم السلام). كما يستعين بكلمات الإمام الخميني لبيان أن وصف العلماء بـ«فقهاء الحيض والنفاس» نشأ في خطاب خصوم الإسلام بقصد اختزال رسالته وتشويه دور الفقهاء. إنها دعوة إلى خلافٍ مسؤول يحفظ للنص المقدّس حرمته، وللاجتهاد العلمي مكانته.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!