كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مرتكزات الإصلاح في خطاب المرجعية الدينية العليا: رؤية لبناء الدولة والمجتمع

على امتداد العقدين الماضيين، شكّلت خطب وتوجيهات المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف خارطة طريق للإصلاح، إذ انطلقت من رؤية وطنية وأخلاقية هدفت إلى ترسيخ أسس الدولة العادلة، وحماية المجتمع، وصيانة سيادة العراق. ولم تكن تلك التوجيهات شعارات آنية أو مواقف ظرفية، بل مثلت مشروعاً إصلاحياً متكاملاً، خاطب الدولة بمؤسساتها، وخاطب الشعب بمسؤولياته، انطلاقاً من أن الإصلاح الحقيقي يقوم على تكامل الدورين الرسمي والشعبي.

أولاً: مسؤولية الحكومة

أكدت المرجعية مراراً أن نجاح الدولة يبدأ من مكافحة الفساد، وعدّته الخطر الأكبر الذي يستنزف ثروات البلاد ويقوّض ثقة المواطن بمؤسساتها. ولذلك دعت إلى ملاحقة الفاسدين دون استثناء، واسترداد الأموال المنهوبة، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع.
وفي الوقت نفسه، شددت على أن الحكومة مسؤولة عن توفير مقومات الحياة الكريمة للمواطن، عبر تحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، والماء، والصحة، والتعليم، باعتبارها حقوقاً أصيلة وليست امتيازات تمنحها السلطة.

كما أكدت أهمية بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والطائفية، لأن الإدارة المهنية تمثل الركيزة الأساسية لأي إصلاح حقيقي.

ومن الثوابت التي ركزت عليها أيضاً ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، بما يعزز هيبتها ويضمن الأمن والاستقرار، إلى جانب التأكيد المستمر على حماية سيادة العراق ورفض جميع أشكال التدخل الخارجي، وصيانة القرار الوطني المستقل.

ثانياً: مسؤولية الشعب

وفي مقابل مسؤولية الدولة، حمّلت المرجعية أبناء الشعب مسؤولية كبيرة في إنجاح مشروع الإصلاح، مؤكدة أن التغيير لا يتحقق بالإرادة الرسمية وحدها، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي ومسؤولية وطنية.

وفي مقدمة ذلك دعت إلى المشاركة الواعية في الانتخابات، وحثت الناخبين على حسن الاختيار، وعدم إعادة انتخاب الفاسدين أو من ثبت فشلهم في إدارة الشأن العام، وهو ما عبّرت عنه بقولها المشهور: «المجرّب لا يُجرَّب».
كما شددت على ترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز التعايش السلمي بين جميع أبناء العراق، ونبذ كل أشكال الطائفية والعنصرية وخطابات الكراهية، باعتبار أن قوة الوطن تكمن في وحدة أبنائه.

وأكدت كذلك مشروعية المطالبة بالحقوق عبر الوسائل السلمية والقانونية، مع الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، واحترام النظام العام، والتعاون مع الأجهزة الأمنية في حفظ الأمن وسيادة القانون.

إن التأمل في مجمل خطب وتوجيهات المرجعية الدينية العليا خلال العقدين الماضيين يكشف أنها لم تقتصر على تشخيص الأزمات، بل قدمت مشروعاً إصلاحياً متكاملاً يقوم على محاربة الفساد، وبناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، وتقديم الخدمات، وصيانة السيادة، مقابل مسؤولية شعبية تقوم على حسن الاختيار، والالتزام بالقانون، والوحدة الوطنية، والمطالبة السلمية بالحقوق. وهي مبادئ ما تزال تمثل إطاراً وطنياً صالحاً لكل مشروع يسعى إلى بناء دولة عادلة، قوية، وقادرة على تلبية تطلعات مواطنيها.

خطاب_المرجعية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!