كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الدولة الوطنية... بين الثورة والدين


حسين علي الحمداني
لم يعد السؤال المطروح في العالم العربي بعد أكثر من عقد على ثورات الربيع العربي هو: هل ستقوم دولة ثورية أم دولة دينية؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء دولة وطنية مستقرة تستوعب جميع مواطنيها وتحمي مؤسساتها من احتكار السلطة، أياً كان مصدر هذا الاحتكار؟
لقد كشفت التجارب العربية منذ عام 2011 أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة نجاح مشروع بناء الدولة. ففي عدد من البلدان انتقلت السلطة من حزب واحد إلى تعددية سياسية، بينما دخلت بلدان أخرى في صراعات أهلية، أو عادت إلى أنماط جديدة من الحكم المركزي، أو وجدت نفسها أمام مؤسسات ضعيفة عاجزة عن إدارة التنوع السياسي والاجتماعي.
وفي خضم تلك التحولات برزت الأحزاب ذات المرجعية الدينية باعتبارها أحد أبرز الفاعلين السياسيين، مستفيدة من حضور الدين في الوعي الاجتماعي والثقافي. غير أن التجربة أثبتت أن نجاح أي حزب في الانتخابات لا يمنحه وحده حق احتكار الدولة أو اختزالها في مشروعه الفكري، لأن الدولة الحديثة تقوم على المواطنة والدستور وسيادة القانون، لا على احتكار الحقيقة السياسية أو الدينية.
والتمييز هنا ضروري بين الدين بوصفه منظومة قيم روحية وأخلاقية، وبين توظيفه في الصراع على السلطة. فالإسلام، شأنه شأن الرسالات السماوية، أسهم عبر تاريخه في بناء منظومة حضارية واسعة قامت على العلم والاجتهاد والانفتاح والتفاعل مع الثقافات الأخرى، ولم يكن يوماً عائقاً أمام التطور، بل إن الحضارة الإسلامية ازدهرت عندما اقترن الإيمان بحرية التفكير واتساع دائرة الاجتهاد.
أما الأزمة التي شهدتها بعض التجارب العربية فلم تكن أزمة الدين، وإنما أزمة تحويله إلى أداة للمنافسة السياسية. فعندما يصبح الخلاف السياسي خلافاً دينياً، تتراجع فرص الحوار، ويغدو الاختلاف مدخلاً للإقصاء بدلاً من أن يكون مصدر ثراء وتعدد.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن الأحزاب الدينية، مثلها مثل الأحزاب القومية أو الليبرالية أو اليسارية، تخضع لاختبار الإنجاز في إدارة الدولة. فمن نجح احتفظ بثقة ناخبيه، ومن أخفق تراجع حضوره، وهو ما يؤكد أن المجتمعات العربية باتت أكثر ميلاً إلى تقييم الأداء لا الشعارات.
إن التجربة العربية خلال العقد الأخير أظهرت أيضاً أن بناء الدولة لا يتحقق عبر الثورة وحدها، ولا عبر الخطاب الديني وحده، وإنما عبر مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، وتداول سلمي للسلطة، واحترام الحقوق والحريات.
لهذا لم يعد التحدي الحقيقي هو الاختيار بين الدولة الثورية والدولة الدينية، بل بين دولة تُدار بالمؤسسات والقانون، ودولة تُدار بالأيديولوجيات مهما كان مصدرها. فالدولة الوطنية القادرة على استيعاب التنوع، واحترام الدين دون احتكاره سياسياً، هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية، وهي الهدف الذي ما زالت المجتمعات العربية تسعى إليه بعد سنوات طويلة من التحولات والتجارب القاسية.

✦ كتابات في الميزان ✦

يؤكد المقال أن المشكلة التي تواجه العالم العربي لا تكمن في الاختيار بين الدولة الثورية والدولة الدينية، بل في كيفية تأسيس دولة وطنية تحكمها المؤسسات والقوانين. ويشير إلى أن الثورة لا تضمن بناء الدولة، كما أن توظيف الدين سياسياً قد يحوّل الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء. ويرى الكاتب أن الأحزاب، مهما كانت مرجعياتها، تُقاس بقدرتها على الإنجاز وخدمة المواطنين. فالدولة المستقرة هي التي تحترم الدين والتنوع، وتضمن المواطنة وتداول السلطة واستقلال القضاء.

الثورة_الدين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!