كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

تاريخ المرجعية العليا

نحاول في هذه السطور القليلة، بالدرجة الأساس، أن نُسلّط الأضواء على الفترات التاريخية المظلمة التي عاش فيها المراجع العظام مشرَّدين من وطنٍ إلى آخر، بدءًا من الشيخ الكليني وصولًا إلى السيد السيستاني، وما واجهه الفقهاء من عصورٍ مليئة بألوانٍ من الفتن والمحن.

ويتناول المقال كيف تعرّض التشيّع للانقراض والعودة عدّة مراتٍ عبر القرون، مُسلِّطًا الضوء على التحديات التي واجهها هؤلاء المراجع في الحفاظ على العقيدة وإرشاد الأمة في تلك الفترات الصعبة.

فالقضية ليست سهلة حين يأتي «نكرة» ليُقلّل من مقام «المرجعية العليا». ففي الزمن الأموي، قال الإمام زين العابدين السجّاد عليه السلام: «ليس في مكة والمدينة عشرون رجلًا يحبّنا أهل البيت».

ثم تبع ذلك الزمن العباسي، حيث كانوا يُضيّقون على الأئمة والعلماء أكثر مما يُفسحون لهم المجال للدرس والتدريس في مساجد الكوفة والمدينة المنورة. وما عاناه الشيخ الكليني والصدوق في زمن العباسيين كان أشدّ من تلك الحقبة، واضطُرّ الشيخ الطوسي إلى الانتقال إلى النجف الأشرف هربًا من عدوان السلاجقة في بغداد، حيث أسّس جذور حوزة النجف الأشرف. ثم عاد الشيخ المفيد إلى بغداد، وذهب إلى أسواق النخّاسين ليشتري العبيد ويُلحقهم بالمدارس الدينية، مما شكّل اللبنة الأساسية لمقام المرجعية بأعدادٍ بسيطة من الناس.

ثم انتقلت المرجعية إلى القاضي ابن البرّاج، الذي أسّس مدارس وحوزات في لبنان، لكنها حُوصرت، فانتقلت المدارس والحوزات الدينية إلى الحلّة. ومع مراجعها الحلّيين، بدأ سقوط بغداد على يد المغول والمماليك، واستمرّت الحوزة وتكبّدت الأثمان الباهظة في الجنوب والفرات الأوسط.

ثم عادت الحوزة إلى لبنان، حيث أُعدِم وصُلب وحُرق الشهيد الأول لأنه خالف في فتواه المذاهب الأربعة، وقُتل الشهيد الثاني لمزاجياتٍ سلطوية. وبعدهما، شيّد المحقق الكركي الدولة سلطةً وقضاءً وعسكرًا.

ثم عادت الحوزة إلى إيران وازدهرت على يد المرجع البهائي والمجلسيَّين الأب والابن. وحين ضعفت الحوزة في إيران، انتقلت إلى العراق، حيث واجه المرجع النجفي العدوان الوهابي الذي استمرّ حتى فترة المرجع كاشف الغطاء، وظلّ يواجهه.

وتنفّست الحوزة الصعداء في زمن مرجعية الشيخ الأعظم، حيث تأسّست فيها نظرياتٌ وأبحاثٌ علمية.

تبعتها مرحلة المرجع الشيرازي، حيث فرض البريطانيون حصارًا على العراق، وأصدروا مرسومًا بتجنيس مليون هندي وتسفيرهم إلى العراق، إلا أن فتوى التنباك الصادرة عن سماحته حالت دون ذلك. ونُفي في زمن مرجعية الأصفهاني هو وعلماء وسادات إلى إيران، بسبب رفضهم المعاهدات والاتفاقيات والقوانين الغربية، وحملات التنصير والتبشير ودعواتها.

وجاءت بعده مرحلة المرجع البروجردي، الذي عاش بين احتلالَين، جنوبيٍّ وشماليٍّ، في إيران، أحدهما بريطاني والآخر سوفييتي.

وعانى من مثل هذا الأمر بعده المرجع الحكيم في العراق، الذي حارب بفرسه إلى جانب السيد الحبوبي دفاعًا عن أراضي العراق ضد الاحتلال البريطاني، وأصدر فتوى تحريم الانتماء للأفكار الشيوعية السوفيتية وما تتسبب فيه من مصائب للأمة، وواجه المدافع والقذائف والرصاص في الجنوب العراقي.

وتنفّس المرجع الخوئي الصعداء، وأُتيحت له فرصٌ أكثر من أساتذته لتوسيع المباحث في العلوم الدينية، ففصّلها وترجمها ورتّبها، في وقتٍ كانت فيه الناس تُساق إلى عبادة «ذي الخصلة»، وكانت الشوارع، بأمر صدام حسين، تمتلئ بألوان اللحم والدم والعظام، ومَن يُعلن عقيدته يُساق إلى المقابر الجماعية والتصفيات السياسية.

وخرج من رحم تلك المرحلة فقهاء وأساتذة من أهل الخُلق والأخلاق، يهدمون الدنيا بزهدهم ويُشيّدون الدين ويُرشدون الناس. ثم وصلت المرحلة إلى المرجع السيستاني، وجاءت ابتلاءاتٌ لا تقلّ أهميةً عن تلك الابتلاءات السابقة، فجيوش القاعدة وداعش وغيرها كانت مجهَّزة بالمال والسلاح والفقه المزيَّف، وهي جيوشٌ جرّارة أُعدّت لقتل الأبرياء وسلب حقوقهم وانتهاك الأموال والأعراض والدماء، والناسُ على دين ملوكها، بين بعثيٍّ وشيوعيٍّ وعلمانيٍّ ووهابيٍّ، وتديُّنٍ سلطويٍّ لا يعرف الناس معه من أين يأخذون معالم دينهم.

وفي هذه المدة التي سبق الحديث عنها، سقطت دولٌ شيعية كثيرة، وإن كان بعضها شيعيًّا في ظاهره فحسب، إلا أنه لا يُنكَر فضلها في الحفاظ على ممارسة الناس شعائر دينهم وإحياء تراث مقدّساتهم. ومن هذه الدول: الفاطمية، والبويهية، والحمدانية، والإيلخانية، والقره‌قويونلو، والمشعشعية، والصفوية، والقاجارية، والصفّارية، والعيونية، والطبرستانية، ودول الزيدية والإسماعيلية. وكما دخل كثيرون في هذا الدين، خرجوا منه أفواجًا عند أقلّ ضغطٍ أو خوفٍ أو قلقٍ نفسي، ولم يبقَ إلا النادر الأندر ممّن نذر نفسه للحفاظ على هذا الدين، وقدّم الاستعداد النفسي والعقلي والتضحيات الجسيمة، وواجه التحديات والألوان والأمواج المتلاطمة من المحن والفتن.

وما واجهته الأمة، بعد صدر الإسلام، من الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمغول والمماليك والوهابيين، ومن الاتفاقيات والمعاهدات والحروب الإنجليزية، والاحتلالات الفكرية التي تهدف أولًا إلى تبديل الهوية الثقافية والعبث بمقدّرات الناس وأحوالهم، لا يستقرّ لها حالٌ إلا باندثار الدين وأهله وأمنائه ومريديه. وغايتها أيضًا تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وإقصاء ومحاربة الدين الإلهي، واستبداله بأديانٍ بشرية مطّاطة، وحقوقٍ وواجبات من شأنها سحب بساط الكرامة والعلم والحضارة، ومن ثمّ ضياع الهويات الفكرية والثقافية التي جاءت بها الرسالة النبوية والإمامية المطهّرة. والنفوس التي تحارب هذه المقامات السامية، وما تحمله من فضائل استثنائية قلّ نظيرها عبر العصور، ستُجني عواقب تخلّفها، واتباعها للهوى، وسقوطها في فخاخ الأباليس، وما تُمهّد له تلك الظلمات من اتّباع.

وكما أسلفنا، يُركّز هذا المقال على تسليط الضوء على الفترات التاريخية التي عاشها هؤلاء العظماء والعلماء الكرام، الذين هم بالتأكيد امتدادٌ لعلوم وفقه وتربية ومعارف سادات الدنيا والآخرة، آل محمد صلى الله عليهم أجمعين. ولم نُركّز في هذه المقالة على علمهم وفقههم وحكمتهم التي شهد لها القاصي والداني، وتميّزهم وتفرّدهم لا في الدين فقط، بل في كل العلوم الطبيعية أيضًا، حيث تركوا بصمةً وكلامًا لا يقبل النقاش لصدقه وصراحته، في زمنٍ انعدمت فيه صوابية الآراء وكثر فيه الباطل والأهواء.

وندعو ونُذكّر في كل فرصة تُتيح لنا تبيان الحقائق، وكشف الأكاذيب والأضاليل التي أُلصقت بهؤلاء العلماء من قِبل أعدائهم. وهذه الابتلاءات التاريخية، بلا شك، ستزداد يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، وقرنًا بعد قرن، وكل مرجعٍ سيواجه مثل هذه المكاره، وستتكرر حتى يأتي مَن يعي ويُميّز خطورة مقام المرجعية المنصَّبة من قِبل المعصوم، ويتمسك بإرشاداتها وتوجيهاتها توجهًا صحيحًا.

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير وآله الطيبين الطاهرين، ورحم الله علماء الدين الماضين ورفع درجاتهم في الدارين، ومدّ الله في عمر مرجعنا المفدّى سماحة السيد السيستاني العظيم.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال المسيرة التاريخية الشاقة للمرجعية الدينية الشيعية، مستعرضًا ما تعرض له كبار العلماء والمراجع من تهجير واضطهاد وملاحقة عبر العصور، منذ الشيخ الكليني وحتى سماحة السيد السيستاني. ويؤكد أن بقاء الحوزة العلمية لم يكن وليد ظروف مستقرة، بل ثمرة تضحيات متواصلة واجهت مختلف السلطات والاحتلالات والفتن. كما يبرز المقال دور المرجعية في حفظ العقيدة وصيانة الهوية الدينية والفكرية، رغم تعاقب المحن والتحديات التي كادت تهدد وجودها في أكثر من مرحلة تاريخية.

المرجعية.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!