أمرنا الله تعالى في فاتحة القرآن الكريم أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، وأن نجتنب طريق المغضوب عليهم والضالين، فقال سبحانه:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
ومن هذه المقدمة، لا يخفى على قارئ النصوص الدينية حجم المعاناة التي تحملها الأنبياء والأئمة والصالحون في سبيل هداية الأقوام الضالة، تلك الأقوام التي أتقنت أساليب الضلال، وحاربت سبل الحلال، وألفت طرق الحرام.
ومن أبرز الأسباب التي تدفع الإنسان إلى اتباع طريق الضلال العناد والإصرار على الكفر، كما حكى القرآن الكريم عن نبي الله نوح (عليه السلام):
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
فهؤلاء الذين آثروا الكفر والعناد والشك والشهوات لم يعد النصح يجدي معهم، ومن هنا جاءت المقاطعة بوصفها وسيلة لحماية المؤمنين من الانحراف الفكري والعقائدي، وصيانة المجتمع من التأثر بالأفكار الباطلة والأفعال المنحرفة.
وقد أوضحت الآيات والروايات أن للضلال علامات وصفات، ومن أبرزها الكذب والعصيان. فقد ورد في الكافي الشريف عن الإمام أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال لمن رآه يجالس أحد المنحرفين في العقيدة: "إما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته." ثم بيّن له خطر مجالسة أهل الضلال، محذرًا من أن تحل بهم نقمة فيصيب أثرها من يخالطهم.
وكان الناس في الأزمنة السابقة يعرفون أهل الضلال بسهولة، مهما بلغت مكانتهم الاجتماعية، ولم تكن مناصبهم تحجب حقيقتهم. أما اليوم، فإن وسائل الضلال أصبحت أكثر تعقيدًا، لكنها لا تزال واضحة لأهل البصيرة والفهم.
وإذا اختلفت أساليب الضلال عبر العصور، فإن نهايتها واحدة؛ إذ تنتهي مشاريعهم إلى الفشل، وتذهب آثارهم، ويطبع الله على قلوبهم بما كسبت أيديهم، كما يشمل ذلك المتعاطفين معهم، والساكتين عن باطلهم، والذين لا ينكرون ما أنكره الله ولا يحرمون ما حرمه.
ورغم وضوح النصوص الدينية في ضرورة هجر أهل الضلال ومقاطعتهم، ما زال البعض يتساءل: لماذا هذه الشدة في زمن يُرفع فيه شعار تقبل الآخر واحترام الرأي المختلف؟
والجواب أن القضية ليست اختلافًا فكريًا مجردًا، بل هي انحراف عن الحق، والتعامل معه على أنه رأي مقبول هو نوع من التعاطف مع الضلال نفسه، تمامًا كمن يترك الماء العذب الصافي ليشرب من الماء الآسن.
فالعلة الأساسية لمقاطعة الضالين أنها أمر إلهي، أراد الله تعالى به امتحان الناس وتمييز الخبيث من الطيب، وإقامة الحجة على المطيع والعاصي. كما أن الاصطفاف معهم أو دعمهم يسهم في بقاء حركات الضلال واستمرارها، خصوصًا في زمن أصبحت فيه كثير من الجهات والمؤسسات تدعم الأفكار المنحرفة وتعمل على تسويقها في ثوب الهداية والإصلاح.
وأصبح هذا السوق الفكري المليء بالشبهات من أخطر ميادين الصراع، إذ يتولى نشره متخصصون يقدمون الضلال على أنه هداية، والانحراف على أنه تقدم، حتى صار الدفاع عن الضالين عند بعض الناس أمرًا مألوفًا، وغُضّ الطرف عن أخطائهم، بل عُدَّت ممارساتهم أمرًا طبيعيًا وإن خالفت الشرع والعقل.
ولم يترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأمة دون ميزان يميز الحق من الباطل، بل أوصى في حديث الثقلين المشهور:
"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي."
فالضمان الحقيقي لعدم الضلال هو التمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة معًا، إذ لم يجعل النبي (صلى الله عليه وآله) النجاة مرتبطة بغيرهما، وكل محاولة للفصل بينهما أو إقصاء أحدهما تمثل انحرافًا عن الطريق المستقيم.
فالضلال يبدأ عندما يُهمَل أحد هذين الأصلين العظيمين، أما سبيل الهداية فيبقى متمثلًا بالتمسك بهما معًا، لأن أحدهما يفسر الآخر ويكمله.
وفي المحصلة، فإن أرباب الضلال قد خسروا الدنيا والآخرة، إلا أن العناد، والاضطرابات الروحية، والإصرار على الباطل، تمنعهم من العودة إلى طريق الحق. ولهذا فإن علاج هذه الاضطرابات النفسية والروحية هو البداية الحقيقية للتخلص من الغواية والوصول إلى الهداية والصلاح.
✦ كتابات في الميزان ✦
يسلط المقال الضوء على أن الهداية إلى الصراط المستقيم ليست أمنية فحسب، بل منهج حياة يقوم على التمسك بكتاب الله تعالى والعترة الطاهرة، مع الحذر من أسباب الضلال التي يأتي في مقدمتها العناد والإصرار على الباطل. ويؤكد أن النصوص الدينية دعت إلى تجنب مواطن الانحراف الفكري والعقدي حفاظًا على سلامة الفرد والمجتمع، وأن ميزان الحق يبقى ثابتًا مهما تغيّرت أساليب التضليل. كما يخلص إلى أن النجاة تكون بالوعي والبصيرة والالتزام بالهدي الإلهي الذي يقود الإنسان إلى طريق الصلاح والفلاح.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!