كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

االمرجعية الدينية وضوابطها الشرعية وخطورة ادعائها

المرحلة الأولى: المقدمة

منذ فجر التاريخ ظهرت زعامات وحركات دينية كثيرة لقيادة المجتمع، ولأن هذه الغاية النبيلة هدفها إرشاد وتوعية الناس ونقلهم إلى منطقة أكثر أمانًا واطمئنانًا؛ أفلت أغلب هذه الحركات التي لم تستند إلى نص شرعي، وانتهت أكثر هذه الزعامات؛ لأنها خرجت عن ذلك النص الشرعي، فما بين إفراط وتفريط، والضحية بلا جدال ذلك المجتمع الذي يُصبح لا يعرف يمينه أو شماله، لا يعلم حدود الدنيا، ولا يكترث لأمر الآخرة، والحال لا يصلحه التفرج والتعايش مع الأزمات والتعقيدات، فالدنيا أمرها ساعات والآخرة وصالها لحظات، فاتباع الموازين الضابطة هو أهدى سبيل، وهو خير ما أرشدت إليه وأفضل ما دلت عليه أرباب الحق والحقيقة الذين عضدت أفعالهم التجارب، وأشارت إلى صحة أقوالهم الوقائع... والحق أحق أن يُتبع.

المرحلة الثانية: معرفة العلم والعلماء وفضلهم

حتى نعرف العالم من المدعي واجب أن نحتهم ونرجع إلى النصوص المقدسة والملزمة على جميع المسلمين، وأفضل الحديث هو حديث كتاب الله الكريم القرآن الجليل، وحديث أفاضل الأولين والآخرين محمدٍ - صلى الله عليه وآله - وعترته الطاهرون:

الآيات القرآنية الكريمة:

﴿ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٦٢]

﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]

﴿ قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]

﴿ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]

﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهمْۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]

﴿ قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَۚ ...﴾ [النمل: ٤٠]

﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ۚ وَلَا يُلقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ﴾ [القصص: ٨٠]

﴿ بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٩]

﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ [سبأ: ٦]

﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: ٢٨]

﴿ قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ [الأحقاف: ٢٣]

﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الملك: ٢٦]

﴿ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: ١٢٢]

الأحاديث النبوية والإمامية الشريفة:

رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى الله بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض وهي تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفورًا له، وشهدت الملائكة أنهم عتقاء الله من النار.

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من مؤمن يقعد ساعة عند العالم إلا ناداه ربه عز وجل: جلست إلى حبيبي، وعزتي وجلالي لأسكننك الجنة معه ولا أبالي.

قال الإمام علي (عليه السلام): اعلموا أن صحبة العالم واتباعه دين يدان الله به، وطاعته مكسبة للحسنات، ممحاة للسيئات، وذخيرة للمؤمنين، ورفعة في حياتهم، وجميل الأحدوثة عنهم بعد موتهم.

قال الإمام علي (عليه السلام): العالمُ أَطهرُ الناسِ أخلاقًا، وأقلُّهم في المطامعِ إعراقًا.

قال الإمام علي (عليه السلام): قوامُ الدنيا بأربعة: عالمٌ يعملُ بعلمه، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلَّم، وغنيٌّ يجودُ بما له على فقير، فقيرٌ لا يبيعُ آخرته بدنياه. فإذا بخل الغنيُّ بماله، واستنكف الجاهلُ أن يتعلَّم، وعمل العالمُ بغير علمه، باع الفقيرُ آخرته بدنياه.

قال الإمام علي (عليه السلام): كفى بالعالمِ جهلًا أن يُنافي علمَه عملُه.

قال الإمام علي (عليه السلام): أبغضُ العبادِ إلى الله سبحانه العالمُ المتكبر.

قال الإمام علي (عليه السلام): وإنَّ من العالمِ مَن دعاه علمُه إلى الورعِ والتقوى والزهدِ في الدنيا، ولَهُ بجنةِ المأوى.

قال الإمام علي (عليه السلام): زلةُ العالمِ كسَرِ السفينةِ؛ تغرقُ وتُغرقُ معها غيرَها.

قال الإمام علي (عليه السلام): زلةُ العالمِ تُفسدُ عوالم.

قال الإمام علي (عليه السلام): العالمُ دينٌ يُدانُ به، يُكسبُ الإنسانَ الطاعةَ في حياته، وجميلَ الأُحدوثةِ بعد وفاته.

قال الإمام علي (عليه السلام): العالمُ مَن شهدت بصحةِ أقوالِه أفعالُه.

قال الإمام الحسين (عليه السلام): من دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): العالم كمن معه شمعة تضيء للناس، فكل من أبصر شمعته دعا له بخير، كذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة، فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة أو نجا بها من جهل فهو من عتقائه من النار.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إذا رأيتم العالم محبًا للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يحوط ما أحب.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): العالم يحتاج إلى عقل، ورفق، وشفقة، ونصح، وحلم، وصبر، وبذل، وقناعة، والمتعلم يحتاج إلى رغبة، وإرادة، وفراغ، ونسك، وخشية، وحفظ، وحزم.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): العالم حقًا هو الذي ينطق عنه أعماله الصالحة، وأوراده الزاكية، وصدقه، وتقواه، لا لسانه، ومناظرته، ومعادلته، وتصاوله، ودعواه.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): النظر في وجه العالم حبًا له عبادة.

قال الإمام الهادي (عليه السلام): إن العالم والمتعلم شريكان في الرشد، مأموران بالنصيحة، منهيان عن الغش.

المرحلة الثالثة: التحليل والخاتمة

نعم، ومع هذا التفصيلات والإجماليات التي لا تقبل تأويلاتها وتفسيراتها إلا التمسك بالمنهج القويم والطريق المستقيم، عموماً يوجد الكثير ممن ران على قلوبهم لا يقبل إلا عنادًا واستكبارًا، يتحملون أوزار ما عملوا، فنفهم من ذلك أن قضية المرجعية الدينية ليست مسألة بسيطة كما قد يظن أو يتوهم البعض، ولا يمكن لأي شخص أن يدعي بسهولة أنه قادر على تقليد المعصوم بالظاهر وهو لا يلتزم بأقل أدبيات المعصوم ولا يقول أحد إن استنباط الأحكام الشرعية بدقة واضح وسهل، فهذا لا يتيسر حتى لمن سعى عقودًا من الزمن لأن هذا الأمر يتطلب معرفة عالية وعميقة بالعلوم الشرعية، وفهما دقيقًا للنصوص الدينية، وخبرة واسعة في الاجتهاد الفقهي.

والشخص الذي يدعي القدرة على تقليد المعصوم دون امتلاك هذه المؤهلات غالبًا ما يفتقر إلى الالتزام بأدبيات الحوار وينهزم في النقاشات العلمية والشرعية. التمسك بالمرجعية المعترف بها هو السبيل لضمان صحة الفتاوى والأحكام الشرعية وتجنب الوقوع في الأخطاء والمآثم، وحديث لسيد الشهداء (صلوات الله عليه): «فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون»، وكيف بنا وأمامنا جميعًا أخطار وأهوال، فصول متلاحقة من الفتن وصور متنوعة من الابتلاءات، تتناغم كل واحدة مع هوى المرء وشيطانه..

وأعلم إن مسألة إعداد الفقيه من قبل المولى ـ تبارك وتعالى ـ والوصايا والتوجيهات النبوية والإمامية لهذه القضية ليست تنحصر في استخراج واستنباط الحكم الشرعي ومعرفة عميقة بالعلوم الدينية؛ بل إن الابتلاءات ستزداد وتتضاعف لتشمل حتى الإنسانية جمعاء، ونعيش في زمن عصيب «الإنسان يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا»، و«فالقابض على دينه كالقابض على جمرة»، ويجب أن تفهم بأن التمسك بالدين صعب مستصعب، وحتمًا تتساقط وتخرج من ذلك الغربال خلقٌ كثير، لذا التمسك بطوق النجاة «المرجعية الصالحة» هو السبيل الوحيد للخلاص في هذا الزمن المليء بشتى ألوان المحن والفتن، ليس فقط على الصعيد الفقهي، لا بل على جميع المستويات.

والحمد لله على جميل آلائه، كما نحمده على مكروه بلائه.. ونشهد أن لا إله إلا هو شهادة مخلصين له في إثباتها، مستعينين به على ثباتها، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله رحمةً للأنام، وبلغ عنه القرآن والأحكام، صلى الله عليه وآله حفظة الدين وأمناءه على الوحي المبين.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال مكانة العلم والعلماء في الإسلام، مستندًا إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي وأهل البيت (عليهم السلام) لإبراز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم الحقيقي، وفي مقدمتها التقوى والعمل بالعلم والابتعاد عن حب الدنيا. كما يؤكد أن المرجعية الدينية ليست منصبًا يُنال بالدعوى، بل مسؤولية تقوم على الاجتهاد الراسخ والكفاءة العلمية والأخلاقية. ويخلص إلى أن التمسك بالمرجعية الصالحة يمثل صمام أمان للأمة في مواجهة الفتن والانحرافات الفكرية، وحفظًا للدين ووحدة المجتمع.

العلم_العلماء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!