إنَّ المرجعية الدينية العليا سعت منذ زمان متقدم إلى بناء المدارس الدينية تهيئة لاستقبال وتدريس طلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية المتوجهين إلى مدينة النجف الأشرف لينهلوا من علومها، وقد كان للمراجع الأعلام دور في ذلك أمثال الشيخ "محمد كاظم الخراساني" صاحب الكفاية، والسيد "محمد كاظم اليزدي" صاحب العروة الوثقى وغيرهما.
وبعد سقوط نظام البعث الكافر في العراق نيسان ٢٠٠٣م سعى المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني "دام ظله" إلى ضرورة الاعتناء بتلك المدارس الدينية حيث ترميم وصيانة ما يحتاج إلى ذلك من جهة، وإعادة بناء ما يحتاج بناؤه من جهة ثانية، وإنشاء مدارس جديدة من جهة ثالثة، وكل هذه الحركة الإصلاحية العلمية لأجل الحفاظ وتسخير كل ما يحتاجه هذا المشروع الديني الكبير (الحوزة العلمية) من جميع حيثياته، والتي يكون بالغ الصعوبة في كثير من الموارد على طالب العلم والأساتذة وخصوصًا (السكن)، فضلًا عن البُعد والغربة وغلاء المعيشة والأمن وغيرها، ولكل طالب في ذلك قصة أو قصص.
ومدرسة الشيخ محمد حسين الكاظمي "قدس سره" المتوفى ١٣٠٨هـ والتي تم افتتاحها في مدينة الكاظمية المقدسة الأربعاء (١٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ الموافق ٢-٨-٢٠٢٦م) هي إحدى المشاريع الإنسانية الإصلاحية الكبيرة لسماحة السيد السيستاني "دام ظله" في هذا الجانب من جوانب الحياة العظيمة المتعددة.
ويمكن قراءة هذا المشروع من نقاط بإيجاز :
١- التأكيد على ضرورة بيان أهمية العلم، ومقامه، ونشره بين أبناء المجتمع؛ إذ لا يمكن لأي أمة أنْ تتقدم من دون العلم والمعرفة، والعلم أعظم سبيل للصلاح والإصلاح والارتقاء بالفرد والأمة.
٢- بيان منزلة العلوم الدينية في حفظ عقيدة المؤمنين وما يتعلق بأحكام الدين، وتهيئة جيل من العلماء وطلبة العلم؛ لتلبية حاجة الأمة لذلك؛ حيث الحاجة الأكيدة إليه، وعدم افتقارها إلى علماء أتقياء يعملون على أداء هذه المسؤولية.
٣- محاولة الأمة في تهيئة أرضية مناسبة للطلبة الذين يحملون عنها علوم الثقلين (القرآن والعترة) وما يتعلق بهما؛ لأجل بقاء هذا العلم المحمدي الأصيل الذي يؤدي رسالة الإسلام، ويبقى نوره في هداية الأمة في جوانبه المختلفة.
٤- التأكيد على ضرورة أنْ يتم أخذ العلم من أهله، وليس من أدعيائه الذين ينتشرون في بقاع مظلمة، يحاولون خداع الناس بأسماء وعناوين، من أجل تلبية لذاتهم وشهواتهم الدنيوية تحت غطاء الدين أو العلم، وفي التاريخ أمثلة.
٥- إظهار آثار العلماء الربانيين الصادقين في جهدهم وجهادهم في سبيل العلم ونشره وإدامة الاتصال به، وأنهم الامتداد الطبيعي لتلك المدرسة العظيمة من تلامذة الأئمة الذين تحملوا المصاعب والشدائد في إحياء أمرهم صلوات الله عليهم.
ختامًا ..
إنَّ مدينة الكاظمية المقدسة تدين بالعرفان والتقدير لسماحة السيد السيستاني (دام ظله) لافتتاحه هذه المدرسة الدينية المباركة وسط مدينتها وبجوار الإمامين الكاظمين "عليهما السلام"، وإعادة روح العلم إليها كما كان عهدها في زمان سابق، وتسأل الله التوفيق والتسديد لهذا المشروع الإنساني الإصلاحي وللقائمين به، والمشرفين عليه، والمنتمين إليه. والسلام .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!