كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نفحات محمدية اجتماعية -٧-

 روي عن النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم": ((تزوجوا ولا تطلقوا، فإنَّ الطلاق يهتزُّ منه عرش الرحمن)).
    إنَّ الشريعة الإسلامية المقدسة جعلت للإنسان نظامًا متكاملًا لما يحتاجه في جوانب مختلفة؛ تكريمًا له؛ وتحقيقًا لسعادته، والقرآن الكريم والسنة الشريفة قد أكدت ذلك في نصوص كثيرة، وهذا الحديث الشريف عن النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" يتناول ظاهرة اجتماعية مهمة يحتاجها الإنسان عامة، والمؤمن خاصة، وفيه بيان عظيم لأجل تنظيمها، وهي ظاهرة إيجابية ومهمة (الزواج) وما في ذلك من آثار عظيمة في بناء الأسرة ثم المجتمع بناء صالحًا، ويقابل ذلك ظاهرة سلبية مذمومة (الطلاق) وما في ذلك من آثار غير طيبة على الأسرة ثم المجتمع.
   إنَّ هذا الحديث الاجتماعي المحمدي إنما ينطلق من غاية هذه البعثة النبوية والرسالة الإلهية ((وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)) [الأنبياء: ١٠٧]، فالبشرية اليوم وفي كل زمان ومكان بحاجة كبيرة إلى ضرورة بيان عظمة هذا الأمر، وأهمية مراعاة حقوقه.
  ويمكن بيان ما يتعلق بالحديث إجمالًا بالآتي:
 *أولًا: التأكيد على أهمية الزواج وما في ذلك من بناء أسرة، وقد بيَّن القرآن الكريم أسس الزواج وأهدافه والحياة الزوجية الكريمة، بما يظهر عناية الشريعة الإسلامية ببيان الطرق المشروعة الحلال بين الرجل والمرأة في إقامة هذه العلاقة بينهما، وذم أي علاقة خلاف ذلك حيث قال تعالى: ((وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم: ٢١]، وهذه من أعظم آيات وأنظمة بناء الأسرة، فلنتأمل:
١- إنَّ الزواج آية من آيات الله تعالى.
٢- من أنفسكم أزواجًا.
٣- السكن المعنوي في الزواج.
٤- الجعل الإلهي وعناية المولى بالأمر.
٥- المودة.. وليس المحبة بل أعمق منه، وأبعاد ذلك الروحية والتربوية والنفسية والمجتمعية.
٦- الرحمة وآثارها المختلفة على البناء الأسري.
٧- الدعوة إلى التفكر بعظمة هذا البناء.
وهناك موضوعات أخرى لها أثر في هذا البناء منها: الإيمان، و منهج اختيار الزوجين، والصفات الواجب توافرها، والنظرة المعنوية والمادية، والمال، والجاه، والجمال وغير ذلك مما لا يسمح الوقت ببيانها.

 *ثانيًا: شدة التحذير من هدم البناء الأسري بالطلاق وآثاره المادية والمعنوية والأسرية والاجتماعية والنفسية وغيره من آثار أخرى، وقد كان للشريعة المقدسة رؤية عظيمة واضحة تحذيرية من هذا الهدم، وضرورة السعي لمنع وقوعه؛ حفظًا للإنسان من أنواع ذلك الأذى، فضلًا عمَّا يصيب الأبناء كذلك، قال تعالى في بيان أهمية الحد من المشكلة: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّـهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً))، وقال تعالى: ((وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) [البقرة: ٢٣٦] وغيرها من الآيات، فلنتأمل:
١- ضرورة مشاركة المجتمع بمعالجة هذه المشكلة الكبيرة،  وعدم تركها من خلال الحَكَم الصالح بينهما.
٢- إرادة الإصلاح وأهميته.
٣- التوفيق الإلهي في الإصلاح.
٤- العفو وما فيه من جوانب تربوية.
٥- التقوى وما يتعلق بها من اجتناب المعاصي.
٦- الفضل الذي كان بين الزوجين قبل ذلك، وما فيه من روعة البيان ورؤية الشريعة.
٧- الامتثال إلى النهي الإلهي عن التسرُّع في هدم هذه العلاقة.
وهناك موضوعات أخرى لها أثر في هذا المجال وما يتعلق فيه من اعتداء على الحرمات، وغضب الله تعالى، وهدم الأسرة وما فيه من أمور لا يسمح الوقت ببيانها.

 أخيرًا .. 
 إنَّ الزواج أعظم بناء في الإسلام وبناء المجتمع كما في الروايات الشريفة، ولا بد من العمل على تهيئة مقدماته الصحيحة بتأمل، بلا عاطفة مجردة، وخيال وأوهام وتحقيق لذة طارئة؛ ليدوم هذا البناء العظيم، ونتجنب ذلك الهدم الفتاك في المجتمعات، والذي وصلت معدل نسبة حالات الطلاق فيه في العراق إلى ثلث نسبة حالات الزواج بل أكثر في بعض الأحايين، بل لا بد من الرجوع إلى هذه النفحات المحمدية للنجاة من الضياع المجتمعي. والسلام .

نفحات.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!