كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نفحات عقائدية محمدية -٦-

 رُوي عن النبي محمد «صلى الله عليه وآله وسلم»:

«إنَّ مثلَ ما بعثني به ربي من الهدى والعلم كمثلِ غيثٍ أصاب أرضًا، منها طائفة طيبة فقبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ولا تنبت كلأً...».
[بحار الأنوار، ج١، ص١٨٤]

إنَّ الحديث الشريف يبيِّن ما يتعلق بالأصل الثالث من أصول العقيدة، المتعلق بالنبوة الخاصة بخاتم الأنبياء محمد «صلى الله عليه وآله وسلم»، وبركات بعثته العظيمة، ورسالته في الأمة وآثارها، واختلاف الناس في الانتفاع منها وبها.

ويمكن بيان ما يتعلق بالأمر بما يأتي إجمالًا  :

١-  ضرورة أنْ يكون المؤمن على بيّنة من التعرُّف على أصول العقيدة بالعلم والمعرفة، ولو إجمالًا، وليس بالتقليد أو البساطة؛ لما في ذلك من آثار على بناء شخصيته الإسلامية، حيث تحصينه بالعقيدة والعلم والدليل والفكر، بما يكون سدًّا منيعًا للنفس عن الانحراف أو التأثُّر بالدعوات الباطلة لأعداء الدين من جهة، وأنْ يكون مؤهلًا للدعوة إلى الدين بقوة العقيدة من جهة ثانية، وأنْ يكون فاعلًا في الأمة وراعيًا لها بعقيدته من جهة ثالثة:
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
فالعقيدة الواعية تتحدى دعوة الناس وتخويفهم ووعيدهم وتهديدهم.

٢-  أهمية الاطلاع والتعرُّف على حكمة بعثة الأنبياء، ودورهم في تبليغ الأمة، ومنهجهم في الوصول إلى الغايات، وسبيل تحقيق ذلك، بقراءة سيرتهم قراءة تحليلية واعية؛ لتتم الإفادة من كلِّ ذلك؛ لأنَّ ما يصدر عنهم إنما هو وفق الحكمة الإلهية، وعدم الاكتفاء بالعلاقة الظاهرية معهم بقراءة سيرتهم وقصصهم وحفظها وترديدها بالألسن على الأسماع، وإنما:
﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
فلنتأمل في تلك الأهداف العظيمة للسيرة الواعية للأنبياء وبعثتهم: تصديق، وتفصيل، وهدى، ورحمة.

٣-  لا بد للشخصية الإسلامية الواعية من الارتقاء بعقيدتها من مرحلة التلقي فقط إلى مرحلة التبليغ والدعوة، من خلال الإفادة الكبيرة من جهاد قوافل الأنبياء في أممهم، وسيرتهم الكبيرة في المعاناة التي أدت في النتيجة إلى انتصارهم وأتباعهم، وفي ذلك درس عظيم لضرورة إدامة العمل والجهاد، وعدم اليأس والفرار من واقع الأمة مهما كانت الظروف:
﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وهذا وعد إلهي، ويتشرف المؤمن بأداء رسالة الأنبياء، والفوز بهذا الوعد المبارك من الله تعالى.

ختامًا  

إنَّ النبي يريد من الأمة الارتقاء بإيمانها وبناء شخصية أبنائها؛ ليكونوا أهلًا لفيوضات النبوة، والإفادة من أهداف بعثتها، والعمل على نشر ذلك في الأمة، فما هو جواب الأمة؟ لبيك... لبيك. والسلام  

✦ كتابات في الميزان✦

يستثمر النص تشبيه النبوة بالغيث ليقدّم رؤية تربوية للعقيدة، لا بوصفها معرفة محفوظة فحسب، بل قوة قادرة على إنبات الوعي وصناعة الإنسان الرسالي. ويتدرج المقال من ضرورة المعرفة إلى فهم سيرة الأنبياء، ثم إلى تحويل الإيمان إلى مسؤولية تبليغ وعمل. وجوهر الفكرة أن أثر الهداية لا يتوقف على نزول «الغيث»، بل على طبيعة الأرض التي تستقبله، أي استعداد الإنسان للعلم والعمل والعطاء.

النبي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!