من الشبهات التي يمكن أن تُثار حول النهضة الحسينية أن الإصلاح لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة علنية؛ فكان بإمكان الإمام الحسين (عليه السلام) أن ينصح يزيد سرًّا، أو أن يرسل إليه رسالة، أو أن يعارض سياساته بعيدًا عن الناس، بدل إعلان رفضه للبيعة والتحرك أمام المجتمع. فلماذا اختار الإمام الموقف العلني، مع ما قد يترتب عليه من اضطراب وفتنة؟
هذه الشبهة تفترض أن النصيحة السرية تصلح لكل الظروف، بينما هناك حالات يصبح فيها الموقف العلني نفسه جزءًا من الإصلاح؛ لأن القضية لا تتعلق بخطأ شخصي يمكن تصحيحه سرًّا، وإنما بمسألة شرعية عامة تتصل بمستقبل الأمة.
أولًا: الإمام لم يكن أمام خطأ شخصي محدود
لو كانت المشكلة تتعلق بسلوك شخصي للحاكم، لكان من الممكن أن تكون النصيحة الخاصة كافية.
لكن القضية التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) كانت مرتبطة بمنح البيعة والشرعية لحاكم يتولى قيادة الأمة.
ولهذا لم يكن المطلوب من الإمام مجرد أن ينصحه، وإنما أن يبايعه.
وكان الإمام يدرك أن بيعته ستكون لها دلالة عامة، ولذلك قال:
(ومثلي لا يبايع مثله)(١)
فالموقف لم يكن بين رجل وحاكم في شأن خاص، بل بين شخصية دينية كبرى وبين سلطة تطلب منها الاعتراف بشرعيتها.
ثانيًا: الإمام مارس النصيحة قبل المواجهة
من الخطأ تصوير الإمام وكأنه انتقل مباشرة من الرفض إلى الصدام.
فقد بدأ موقفه بالحوار والاحتجاج، ولم يحمل السلاح عندما طُلبت منه البيعة في المدينة.
ثم غادر إلى مكة، وبقي فيها، وتعامل مع الأحداث بصورة تدريجية.
وعندما تحرك نحو العراق، أرسل مسلم بن عقيل للتحقق من الظروف، ثم واصل الحوار مع من قابله في الطريق (٢).
إذن، النصيحة والحوار لم يكونا غائبين عن منهج الإمام.
ثالثًا: لماذا أصبح الإعلان ضروريًا؟
لأن سكوت الإمام كان يمكن أن يُفهم على أنه قبول.
فلو أن شخصية بمكانة الإمام الحسين (عليه السلام) امتنعت عن الاعتراض، ثم بايعت أو سكتت، لأمكن للسلطة أن تستفيد من موقفه لإثبات أن كبار أهل البيت لم يعترضوا على شرعية الحكم.
وهنا يصبح الصمت نفسه ذا دلالة سياسية.
ولهذا كان الإعلان عن الرفض ضروريًا حتى لا تختلط الحقيقة على الأمة.
رابعًا: الإمام لم يخرج ليحرض الناس على الفوضى
الإعلان عن موقف الحق لا يعني الدعوة إلى الفوضى.
فالإمام عندما أعلن سبب حركته قال:
(إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (٣)
وهذا النص يوضح أن الإعلان كان جزءًا من مشروع إصلاحي، لا مشروع انتقام أو إثارة اضطرابات.
خامسًا: القرآن يجعل البيان مسؤولية في بعض الظروف
قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، البقرة: (١٥٩).
فالآية تدل على أن السكوت ليس فضيلة في كل الأحوال.
هناك فرق بين الحكمة في اختيار طريقة البيان، وبين كتمان الحقيقة عندما تكون الأمة بحاجة إليها.
ومن هنا يمكن فهم الموقف الحسيني باعتباره إعلانًا للموقف في لحظة تاريخية كان فيها السكوت يحمل معنى القبول.
سادسًا: الإمام احتج على الناس حتى آخر لحظة ، حتى عندما أصبح في كربلاء، لم يبدأ الإمام بالقتال.
بل وقف يخاطب الجيش ويذكرهم بمكانته وبحقه، ويذكرهم برسائلهم إليه.
وقال:
)فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكّون أني ابن بنت نبيكم؟) (٤)
فلو كان هدفه إثارة الحرب، لما احتاج إلى هذا القدر من الخطاب والحجة.
لقد كان يريد أن يسمع الناس الحقيقة قبل أن تقع الكارثة.
سابعًا: ماذا لو بقي الإمام صامتًا؟
لو افترضنا أن الإمام اكتفى بنصيحة سرية ثم عاد إلى حياته، لكان السؤال التاريخي بعد ذلك:
لماذا لم يعترض الحسين على السلطة؟
وكان من الممكن أن يُفهم صمته على أنه قبول.
وهنا تظهر أهمية الموقف العلني؛ لأن الإمام لم يكن يتصرف بصفته فردًا عاديًا، وإنما باعتباره سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشخصية لها حضور ديني كبير.
فكان لرفضه أثر يتجاوز شخصه.
ثامنًا: الإعلان عن الحق لا يعني البحث عن الصدام
وهذه نقطة مهمة.
يمكن للإنسان أن يعلن رفضه للظلم دون أن يكون هدفه الحرب.
وهذا بالضبط ما يظهر في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام).
فعندما قابله الحر، قال الإمام:
(وإن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه) (٥)
وهذا يكشف أن الإعلان عن موقفه لم يكن يعني أنه مصر على الحرب.
بل كان مستعدًا للانصراف إذا انتهى سبب وجوده في العراق.
تاسعًا: موقف الإمام كان رسالة إلى الأمة
الإمام لم يكن يخاطب يزيد وحده.
كان يخاطب مجتمعًا إسلاميًا بأكمله، ولذلك كان لموقفه العلني معنى تربوي وتاريخي.
لقد أراد أن يقول إن السلطة لا تحصل على الشرعية بمجرد امتلاك القوة، وإن العالم الديني لا ينبغي أن يمنحها شرعية إذا رأى فيها انحرافًا.
ولهذا بقي موقفه بعد قرون رسالة في مسؤولية العالم والمصلح أمام السلطة والناس.
.
الهوامش
(١) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٣٣.
(٢) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٣٤٨-٣٦٨.
(٣) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج٢، ص٦.
(٥) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٠٠.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!