كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

عزتنا لا تنالها شعوبنا من اليد الأمريكية

 فيما أخفقت محاولات عقلاء العالم في تجنيب شعوبها صراعات هيمنة، افضت إلى حروب عديدة، بدأت منذ غابر الزمان، حيث كان ولا يزال منطق القوّة هو الفيصل فيها، وتواصلت الصراعات بين القوى الكبرى في عصرنا، فبعد الحرب الكونية الأولى والثانية، ثم ما اصطلح عليه بالحرب الباردة، بين المعسكرين الشرقي الذي تزعمه الاتحاد السوفييتي، والغربي الذي تزعمته أمريكا، بقيت فيه شعوب العالم بشرقيها وغربيها واجفة، تترقّب ما سيفضي إليه وضع مقلق، من تربّص خصمين ينتظران فرصة ما تلوح لأحدهما، أو أمرا أحمق قد تصدر من زعيم متهوّر، لكن الصدام الذي كان ومحتملا ومتوقعا بحسب الاستطلاعات المستشرفة للغيب، لم يحصل عسكريا وبقي الأمر متراوحا بين سجالات تهديد ووعيد، وصراع جواسيس هنا وهناك، لكن الجانب الآخر من الصراع بقي يتّقِدُ حركة، جاءت في شكل عقوبات وإجراءات حصار اقتصادي لم تتوقف الى اليوم.

وتبين ان الصراع في أساسه هو صراع هيمنة اقتصادية، والسيطرة على مسالك توزيع المنتجات التجارية في العالم وفرض رسوم مجحفة عليها، والسيطرة على منابع الطاقة، ومن سيطر عليها فقد أمسك بخناق العالم، ومن فرض منطقه بالقوة العسكرية الاقتصادية، فهو الحاكم بأمره على بقية دول وشعوب العالم، إلى هذا الحد من الظلم والفساد بلغت الأمور في عصرنا هذا، فغاب العدل وانتهى الحال بنا إلى تسلط الأقوياء على الضعفاء، في عالم أصبح مقسّما نظريا وعمليا بين شمال وجنوب، وأول وثالث، ومتقدّم ومتخلّف، حتى الأمم المتحدة قامت على ذلك الأساس من التمييز.

القشّة التي قصمت ظهر الادّعاء بالحضارة وحقوق الشعوب، مغامرة الرئيس الأمريكي للسيطرة على فنزويلا، وهي عملية خسيسة في منتهى الدناءة، التي يمكن أن تبلغها دولة في العالم، ومع ذلك لم يتردد الأمريكيون في تنفيذها، وهم يعلمون أنّها بذلك القدر من الانحطاط الأخلاقي والقرصنة، وقد باشروا في تنفيذ جريمتهم بكل جرأة ووقاحة، ليس من اجل الشعب الفنزويلي فهو آخر همّهم، بل من اجل السيطرة على نفط هذا البلد، والذي يعدّ أول احتياطي عالمي منه، وتاريخ الأمريكيين في القارة الأمريكية الجنوبية سيء إلى أبعد حد، وتراها شعوبها سببا رئيسيا في إسقاط من أسقطوا من حكام شرعيين، وصلوا إلى دفة الحكم ديمقراطيا، بينما تسلط من تسلط على رقابهم، عن طريق انقلابات عسكرية، أشرفت عليها وموّلتها المخابرات المركزية الامريكية باعتراف عناصرها، كانقلاب بينوشي الدموي في البيرو سنة 1973، الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وغيره من الانقلابات الكثيرة، التي عصفت بحرية شعوب المنطقة.

المشروع الأمريكي في السيطرة على منابع الطاقة بدأ تنفيذه بالقوة العسكرية، ونجح في فنزويلا، وكانت ايران تالي البلدان المستهدفة، بل لعلها الأولى واقعا فهي صاحبة مشروع تصدّي لهيمنتها في المنطقة، والذي أعطى ثمارا من القدرة والعزة التي لم يكن شعب من الشعوب المستهدفة من خطط أمريكا يتوقع نوالها، وقدّم الدليل على جدوى ونجاعة مقاومة الوجود الصهيوني على أرض فلسطين، ووقف خطر تمدده في لبنان وسوريا، وقد يصل غدا إلى العراق وشمالي الحجاز وقناة السويس والنيل في مصر، في حال لم تستفق شعوب المعنية بخطر المشروع الصهيوني على بلدانها.

ولأن الخميني الذي يُعدّ قائد أعظم ثورة إسلامية في العصر الحديث، كان عارفا بحقيقة أمريكا، من كونها شيطانا أكبر، فقد دعا شعبه إلى تبني نهج فكري ثوري لمواجهتها، فانبنى جيلان على ذلك النحو من الثقافة الثورية، وقام مجتمع انصهرت فيه روح العداء، لكل شيطان من شياطين الانس، ويشرح الشهيد الخامنئيّ قناعة قائده بقوله: «أمّا أميركا فتُغوي، وترتكب المجازر، وتفرض الحظر، وتُخادع، وتُرائي، وهي ترفع لواء حقوق الإنسان، وتدّعي مناصرته، لكن بين الحين والآخر، يُقتل في شوارع المدن الأميركيّة شخص بريء أعزل مضرّجاً بدمائه على أيدي الشرطة الأميركيّة، إلى غير ذلك من الجرائم والفجائع التي يرتكبونها، وإلى سلوكهم تجاه إيران في عهد النظام الطاغوتيّ، وإثارتهم للحروب، وتأجيجهم نيرانَ الحرب، وإطلاقهم التيّارات المثيرة لها، كالتي تُمارِس التهديم والدمار في العراق وسوريا وسائر البقاع، هذه كلّها أعمال أميركا.

أمريكا بعد كل الذي اقترفته بحق ايران في ورطة كبرى، وتبحث لها عن مخرج يحفظ لها ماء وجهها، فلا العدوان العسكري افضى إلى نتيجة لصالحها، ولا الحصار الاقتصادي نفع في وقف تقدم ايران في بناء قوتها ونحت عزّتها، ورغم التشديد المتواصل الذي أصدرته الخزانة الأمريكية بأمر رئيسها ترامب، وكان آخرها الحصار البحري، فقد أقدمت أخيرا على اصدار أوامر بوقف رحلات الطيران المدني من وإلى إيران، وقد استجابت عدة دول الى ذلك القرار ومنهم العراق الذي عوض أن يتجاهله كان سباقا الى تنفيذه، متناسيا أيادي ايران وهو مهدد بإرهاب داعش وبغداد على وشك السقوط، فلم يجد من يقدم لأبنائه الأسلحة غير إيران، وفي تلك السنوات العصيبة اختلطت دماء الشعبين في ساحات مواجهة وافشال مشروع الإرهاب التكفيري الأمريكي باعتراف أهله في المنطقة.

السؤال المطروح هنا: هل الى هذا الحد يثق رئيس الحكومة العراقي بأمريكا وهي بعيدة عنه، ويسيء للعلاقات الأخوية مع جارته إيران وهي لصيقة به؟ وما الذي يرجوه من نتيجة بعد تنفيذ الأوامر الأمريكية؟ وفيما تزداد أمريكا في نسق عدوانيتها، من غير أن ترى في ذلك حرجا عليها، يتهافت حكام عميان البصائر إلى طلب رضاها، وهم يعلمون أنها لن ترضى عليهم من دون أن ينزلوا عند أحكامها الجائرة، عجبا كيف يتركون ايران وهي التي تريد عزتهم وسؤددهم، ويلهثون وراء رضا أمريكا ورضاها لا ينالونه من دون ضريبة الاذلال والدوس على الكرامة، هذا لمن يُعتقد أنه بقي لهم كرامة، وهيهات لمن سلك سبيل الشيطان الأمريكي.

امريكا.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!