كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فجانّ قهوةْ وصمت وراحةْ بالٍ

   حينَ يتقدمُ الإنسان في العمر، وتتعبهُ الأيامُ بما حملته منْ تجاربَ ومسؤوليات، وتشتدُ عليهِ بعضُ متاعبِ الصحة، يبدأُ في النظرِ إلى الحياةِ بعينٍ مختلفة، هنالكَ أشياء كثيرة كانتْ تشغلهُ بالأمس، لمْ تعدْ تستحقُ منهُ اليومَ كلّ ذلكَ القلق، ومواقف كانَ يخوضُ منْ أجلها النقاشَ والجدال، أصبحَ يراها منْ بعيد، ويقولُ في نفسه: هلْ يستحقُ الأمرُ كلَ هذا العناء؟
      خصوصا؛ ذلكَ الإنسان المثقف، الذي أمضى سنواتٍ طويلةً في القراءةِ والتعلمِ والعملِ والعطاء، وخاضَ معاركَ كثيرةً منْ أجلِ فكرة، أوْ موقف، أوْ كلمةٍ حق، وقدمَ منْ جهدهِ ووقتهِ الكثيرِ للآخرين، فيأتي عليهِ وقتٌ يشعرُ فيهِ أنهُ قدْ أدى ما استطاع، وأنَ منْ حقهِ أنْ يلتفتَ قليلٌ إلى نفسه. عندها تصبحُ أمنيتهُ بسيطةً جدا: فنجانُ قهوة، صمت، وراحةُ بال، فهو لا يرغب أكثر منْ الحياة، فقط ، صباحا هادئا، وفنجانَ قهوةٍ يحتسيه على مهل، ووقتا لا يضطرُ فيهِ إلى تفسيرِ نفسهِ لأحد، ولا إلى الدخولِ في كلِ نقاش، ولا إلى الردِ على كلِ كلمة، معَ تقدمِ العمر، يبدأُ الإنسانُ في فهمِ حقيقةٍ مهمة. 
   فليسَ كلّ ما نسمعهُ يستحقْ الرد، وليسَ كلُ خلافٍ يستحقُ أنْ نخسرهُ منْ راحةِ بالنا، قدْ نختلفُ معَ الأبناء، أوْ الأقارب، أوْ الأصدقاء، قدْ نرى أشياءَ لا تعجبنا، ومواقف لا نقتنعُ بها، لكنَ الحكمةَ أحيانا ليستْ في أنْ تقولَ كلّ ما تعرف، وإنما في أنْ تعرفَ متى تقول، ومتى تصمت.
      الصمتُ ليسَ دائما ضعفا، كما أنَ الكلامَ ليسَ دائما قوة، أحيانا يكونُ الصمتُ دواءً للنفس، وراحة للعقل، وحماية لما تبقى منْ الودِ بينَ الناس، قدْ لا تقتنع، وقدْ ترى أنك على حق، لكنك تختارُ أنْ تتغاضى؛ ليسَ لأنك عاجزٌ عنْ الرد، وإنما لأنك أصبحتْ أكثر حرصا على سلامك الداخلي. إنَ الإنسانَ حينَ يتقدمُ بهِ العمر لا يعودُ بحاجةٍ إلى الانتصارِ في كلِ معركة، يكفيه أنْ ينتصرَ على القلق، وعلى الغضب، وعلى الرغبةِ المستمرةِ في إثباتِ نفسهِ للآخرين، حيثُ يبدأُ في تقليلِ دائرةِ اهتمامه، لا كره بالناس، وإنما حفاظا على نفسه. 
    يحبُ أبناؤه، لكنهُ لا يريدُ أنْ يعيشَ تفاصيل حياتهمْ كلها، ويحترمُ أقاربه، لكنهُ لا يريدُ أنْ يحملَ مشكلاتهمْ على كتفيه، ويقدرُ أصدقاءه، لكنهُ لمْ يعدْ يبحثُ عنْ كثرةِ العلاقاتِ بقدرِ بحثهِ عنْ علاقةٍ صادقةٍ وهادئة. 
    إنها مرحلةٌ منْ العمرِ يصبحُ فيها الهدوء نعمة، والعافية ثروة، وراحةْ البالِ مكسبا لا يقدرُ بثمن. وحينَ يشعرُ الإنسانُ أنَ العمرَ يمضي، وأنَ الأيامَ أصبحتْ أقربَ إلى العدِ التنازليِ منها إلى العدِ التصاعدي، تتغيرُ الأولوياتُ أكثر، يصبحُ أقربَ إلى ربه، وأحرصُ على أداءِ الفرائض، وما يستطيعُ منْ الطاعات، ويتركُ ما سوى ذلكَ لله. 
         لا يريدُ أنْ يحملَ في قلبهِ خصومات كثيرة، ولا أنْ ينام، وفي نفسهِ ضيق منْ أحد. فما أجملَ أنْ يصلَ الإنسانُ إلى مرحلةٍ يقولُ فيها: لقدْ فعلتْ ما استطعت، وأعطيت ما أقدرُ عليه، وعشت ما كتبَ الله لي، وما بقيَ أريدهُ هدوءا وسكينة. لا يعني ذلكَ أنَ يعتزلُ الحياة، ولا أنْ يتوقفَ عنْ الاهتمامِ بمنْ يحب. بلْ يعني أنْ يعيشَ ما بقيَ منها بوعيٍ أكبر، وأنْ يختارَ معاركهُ بعناية، وأنْ يعرفَ أنَ بعضَ الأمورِ تترك دونَ تعليق، وبعض الكلماتِ يكتفى بسماعها، وبعض الخلافاتِ يكونُ أفضل علاجٍ لها أنْ تمرَ كما مرتْ أشياءُ كثيرةٌ قبلها. فالحياةُ أقصرُ منْ أنْ نقضيَ آخرَ فصولها في الخصامِ والعتابِ والجدال.
ولعلَ أجملَ ما يمكنُ أنْ يفعلهُ الإنسانُ بعدَ رحلةٍ طويلةٍ منْ العملِ والعطاءِ أنْ يمنحَ نفسهُ شيئا منْ الراحة.(  فنجانُ قهوةِ في هدوءٍ الصباح، جلسةٌ قصيرةٌ بعيدا عنْ الضجيج،  كتابٌ يقرأ، على مهل ،  دعاءٌ يخرجُ منْ القلب، صمتَ لا يحتاجُ إلى تفسير، ثمَ قلب لا يحملُ على أحد، ونفس راضية بما قسمَ الله لها.
  فنجانُ قهوة، وصمت، وراحةِ بالٍ … ثلاثةْ أشياءَ تبدو بسيطة، لكنها قدْ تكونُ في آخرٍ العمرِ منْ أجملِ صورِ النعمة. فبعدَ كلِ ما مررنا به، ربما لمْ نعدْ نبحثُ عنْ الكثير،  نريدُ فقطْ أنْ نعيشَ ما بقيَ منْ العمرِ بهدوء،ْ ونتركَ خلفنا أثرا طيبا، ونلقى ربَ العالمينَ بقلبِ أكثرِ صفاء، ونفسِ كثرَ سكينة، وما استطعنا منْ عملٍ صالح، فالعمرُ لا يقاسُ فقطْ بعددِ السنواتِ التي عشناها، وإنما بقدرِ السلامِ الذي استطعنا أنْ نصنعهُ في قلوبنا، ونحنُ نمضي.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم المقال تأملًا إنسانيًا هادئًا في التحولات التي تصيب نظرة الإنسان إلى الحياة مع تقدّمه في العمر، حين تتراجع الرغبة في الجدال ويصبح السلام الداخلي أولوية. فالصمت هنا ليس ضعفًا، بل حكمة تحمي النفس وتحفظ ما بقي من الودّ. وبين فنجان قهوة وكتاب ودعاء صادق، يكتشف الإنسان أن العافية وراحة البال والقلب الخالي من الخصومات هي أثمن ما يمكن أن يحمله في آخر الطريق.

فنجان_قهوة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!