ثمةَ مرحلة في العمرِ لا يعودُ فيها الإنسان يبحثُ عنْ كثرةِ الوجوهِ منْ حوله، بقدرِ ما يبحثُ عنْ وجهٍ يستطيعُ أنْ يجلسَ أمامهُ دونَ أنْ يتعب، ففي بداياتِ العمرِ نبحثُ عنْ الآخرينَ لنكتشف أنفسنا، ثمَ نمضي في الحياةِ حتى نكتشفَ أنفسنا، فنبحثُ عنْ بعضِ الوقتِ بعيدا عنْ الآخرين، ولكن عندها نفهمُ أنَ الوحدةَ ليستْ دائما غيابا، كما أنَ الاجتماعَ ليسَ دائما حضورا، وأنَ كثرةَ الكلامِ لا تعني كثرةَ المعنى، وأنَ بعضَ المجالس، مهما ازدحمتْ بالكراسيّ والضحكات، قدْ تتركُ في النفسِ فراغا أكبرَ مما وجدتهُ فيها.
دعوني أجلسَ وحدي …
لا أقولها غضبا منْ أحد، ولا إعلانا للقطيعةِ معَ الناس، وإنما أقولها كما يقولُ المتعب: أريدُ قليلاً منْ الراحة، فلقدْ تعبتْ منْ تلكَ النقاشاتِ التي لا تنتهي إلا؛ لتبدأَ منْ جديد، ومنْ الجدالاتِ التي يدخلها الإنسان ظانا أنهُ سيخرجُ منها بفكرة، فإذا بهِ يخرجُ بصداعٍ وغضبٍ وكلماتٍ يتمنى لوْ أنهُ لمْ يقلها.
تعلمتْ معَ مرورِ السنينَ، أنْ ليستْ كلُ كلمةٍ تستحقُ أنْ تقال، ولا كلّ رأيٍ يستحقُ أنْ يناقش، ولا كلّ استفزازٍ يستحقُ جوابا، فالنضجُ الحقيقيُ ، يبدأُ يوم يقولُ الإنسانُ لنفسه: لا حاجةً لي أنْ أرد، فالردُ أحيانا يمنحُ الخصومة عمرا جديدا، بينما الصمتُ قدْ يدفنها في مكانها، كمْ منْ علاقةٍ أفسدها نقاشٌ كانَ يمكنُ أنْ ينتهيَ بابتسامة، كمْ منْ صداقةٍ انكسرتْ لأنَ أحدَ الطرفينِ أرادَ أنْ يثبتَ أنهُ الأصح، معَ مرورِ الأيام، نكتشفُ أنَ بعضَ المعاركِ لا رابح فيها، وأنَ أعظمَ انتصارٍ قدْ يكونُ ألا ندخلَ المعركةَ أصلا.
اجلسْ وحدك … وافتحْ كتابا.
ما أجملَ أنْ يعودَ الإنسانُ إلى الأشياءِ التي لا تصرخ، كتاب ينتظرك دونَ أنْ يطالبك بشيء، صفحةٍ لا تقاطعك، فكرة لا ترفعُ صوتها عليك، اقرأ، اكتب، تأملا، استمعَ إلى موسيقى هادئة، أوْ أحتسي كوبا منْ القهوة، وانظرْ منْ نافذةٍ إلى شارعٍ يعبرهُ الناسُ دونَ أنْ تكونَ مضطرا إلى الدخولِ في ضجيجهم.
في هذهِ التفاصيلِ الصغيرةِ ، قدْ يجدُ الإنسان، نفسه منْ جديد ، ففي الخلوةِ لا يحتاجُ المرءُ إلى أنْ يثبتَ شيئا لأحد، ولا إلى أنْ يرتديَ قناعا لا يشبهه، فهناك، بعيدا عنْ الجمهور، يستطيعُ أنْ يكونَ كما هو.
لست أدعو إلى كراهيةِ الناس؛ فالصحبةُ الطيبةُ نعمة، والحديث الجميل قدْ يفتحُ في النفسِ بابا ظلَ مغلقا سنوات، لكنَ الفرقَ كبيرٌ بينَ مجلسٍ يرفعك، ومجلسا يستنزفك، فهناكَ أناس، إذا جلستْ معهمْ خرجتْ أخفّ روح، وأوسع صدر، وأكثر رغبةٍ في الحياة، وهناكَ مجالس تشعرُ بعدها أنك كنت أفضلَ قبلَ أنْ تأتي.
إنَ العبرةَ ليستْ بعددِ الجالسين، وإنما بما يدورُ بينهم، قدْ يجتمعُ ثلاثةُ أشخاص، فتولدَ بينهمْ فكرةْ أجملَ منْ كتاب، وقدْ يجتمعُ ثلاثون، فلا يكونُ بينهمْ سوى أخبارِ الغائبين، وتعدادِ عيوبِ الناس، وإعادةْ حكاياتٍ قيلتْ ألفَ مرة.
لعلَ أجملَ ما في الجلوس، وحدنا أننا لا نجدُ غائبا نتحدثُ عنه؛ لا نملكُ فرصةً للغيبة، ولا لنقلِ الكلام، ولا لتحويلِ جلسةٍ عابرةٍ إلى خصومةٍ بينَ أناسٍ لمْ يكونوا موجودينَ أصلا.
إنَ اللسانَ كائنٌ صغير، لكنهُ قادرٌ على أنْ يحملَ الإنسان إلى أماكنَ لا يريدُ الوصول إليها، ولهذا فإنَ بعضَ الانسحابِ منْ المجالسِ ليسَ انسحابا منْ الحياة، بلْ نجاةٍ منْ زلة، وحمايةٍ للقلبِ منْ الحقد، وللنفسِ منْ الندم، ثمَ إنَ للهدوءِ نصيبا منْ العافية، فالجسدُ لا يعيشُ منفصلاً عنْ النفس، والتوترِ المتكررِ يرهقُ الإنسان، ويؤثرُ في نومهِ ومزاجهِ وتركيزه.
ما الفائدةُ منْ أنْ تربحَ نقاشا، وتخسرُ راحةْ بالك؟ وما قيمةٌ أنْ تثبتَ أنك كنت على حقٍ إذا عدت إلى بيتك مثقلاً بالغضب؟
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال الخلوة بوصفها استراحة واعية من المجالس المستنزفة والجدالات التي تسرق راحة النفس، لا قطيعةً مع الناس أو كراهيةً لهم. فالنضج يبدأ حين ندرك أن بعض الاستفزازات لا تستحق جوابًا، وأن الانسحاب من معركة عقيمة قد يكون أعظم انتصار. وبين كتاب وصمت وفنجان قهوة، يستعيد الإنسان ذاته ويحمي قلبه ولسانه من الغضب والندم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!