ليسَ القانونُ مجردَ مجموعةٍ منْ النصوصِ والموادِ التي يحفظها الطالب منْ أجلِ اجتيازِ الامتحان، وليسَ دراسةْ القانونِ طريقا إلى وظيفةٍ محددةٍ فحسب؛ بلْ هوَ أحد أهمِ الأسسِ التي تقومُ عليها الدولةُ الحديثة، ووسيلة لتنظيمِ حياةِ الناس، وحمايةِ حقوقهم، وتحديدِ واجباتهم، وحسمِ النزاعات، وتحقيقِ التوازنِ بينَ الفردِ والمجتمعِ والدولة.
منْ هنا تأتي أهميةُ دراسةِ القانون؛ فهيَ في جوهرها دراسة للإنسانِ والمجتمعِ والدولةِ معا. فالقانونُ حاضرٌ في تفاصيلِ حياتنا اليومية: في الزواجِ والطلاقِ والميراثِ والملكيةِ والعملِ والتجارةِ والعقودِ والاستثمارِ والتعليمِ والصحةِ والسفرِ والعلاقاتِ الأسريةِ والجرائمِ والحقوقِ الشخصية. وعندما يشتري الإنسانُ منزلا، أوْ يبرمُ عقدا، أوْ يؤسسُ شركة، أوْ يعملُ في مؤسسة، أوْ يتعرضُ لاعتداءٍ على حقٍ منْ حقوقه، فإنهُ يدخلُ بصورةٍ مباشرةٍ أوْ غير مباشرة في نطاقِ القانون.
القانونُ والعدالةُ:
يرتبطُ القانونُ بالعدالةِ ارتباطا وثيقا، غير أنَ العدالةَ لا تتحققُ بمجردِ وجودِ النصوص، وإنما تحتاجُ إلى مؤسساتٍ قوية، وقضاءٍ مستقلٍ ونزيه، ومحامينَ قادرينَ على الدفاعِ عنْ الحقوق، ومستشارينَ وموظفينَ قانونيينَ يمتلكونَ العلمَ والكفاءة، لهذا، فإنَ التعليمَ القانونيَ الرصينَ يمثلُ الأساسَ الأولَ لبناءِ رجلِ القانون؛ لأنَ العدالةَ تحتاجُ إلى إنسانٍ يحملُ القانونُ علما وضميرا ومسؤولية.
يحتلُ القضاءُ مكانةً خاصةً في المجتمعاتِ التي تؤمنُ بسيادةِ القانون. فالقاضي يتعاملُ معَ قضايا قدْ تغيرُ حياةْ الإنسانِ بصورةٍ كاملة؛ فقدْ تكونُ القضيةُ متعلقةً بالحريةِ أوْ المالِ أوْ الأسرةِ أوْ الملكيةِ أوْ المسؤوليةِ الجنائية. ولذلكَ لا يكفي أنْ يعرفَ القاضي النصَ القانوني، بلْ يجبُ أنْ يمتلكَ القدرةَ على تحليلِ الوقائع، وفهمِ الأدلة، وتفسيرِ النصوص، وتطبيقِ القانونِ بحيادٍ وتجرد.
أما المحاماة، فهيَ صوت منْ يحتاجُ إلى منْ يدافعُ عنْ حقه، فالمحامي ليسَ مجردُ شخصٍ يقفُ أمامَ المحكمة، بلْ هوَ باحثٌ ومستشارٌ ومفاوضٌ وكاتبٌ للعقودِ والمذكراتِ والمرافعات، وقدْ يكونُ دورهُ في منعِ النزاعِ قبلَ وقوعهِ أهمَ منْ دورهِ بعدَ وصولِ القضيةِ إلى المحكمة، فالمحامي الناجحُ ليسَ منْ يكثرُ الخصومات، وإنما منْ يعرفُ متى يدافع، وكيفَ يدافع، ومتى يبحثُ عنْ تسويةٍ عادلةٍ تحفظُ حقوقَ الأطراف.
القانونُ في مؤسساتِ الدولةِ والاقتصادِ :
لا تستطيعُ الدولةُ الحديثةُ أنْ تعملَ بصورةٍ سليمةٍ منْ دونِ القانونيين، ففي الوزاراتِ والهيئاتِ والمؤسساتِ الحكومية، يحتاجُ العملُ إلى متخصصينَ يراجعونَ القراراتِ والعقود، ويقدمونَ الاستشارات، ويتابعونَ المنازعات، ويفسرونَ التشريعات، ويتأكدونَ منْ سلامةِ الإجراءات، كما تحتاجُ الشركاتُ والمصارفُ والمؤسساتُ الاقتصاديةُ إلى القانونيينَ في مجالاتِ العقودِ والاستثمارِ والعملِ والضرائبِ والمنازعاتِ والحوكمة والامتثال.
لهذا لمْ تعدْ دراسةْ القانونِ مرتبطة بالمحاكمِ وحدها، فقدْ ظهرتْ تخصصاتٌ واسعةٌ مثلَ قانونِ الشركات، والقانونِ التجاريِ والمصرفي، وقانونِ الاستثمار، والملكيةِ الفكرية، والتحكيمِ التجاريِ الدولي، وقانونِ التقنيةِ والبيانات، والتجارةِ الإلكترونية، وغيرها، فكلما تطورَ الاقتصادُ ازدادتْ الحاجةُ إلى القانون؛ فالمشروعاتُ الكبرى تحتاجُ إلى العقود، والاستثماراتِ تحتاجُ إلى الضمانات، والمصارفِ تحتاجُ إلى التنظيم، والتجارةِ الدوليةِ تحتاجُ إلى قواعدَ واضحة، والتقنية تحتاجُ إلى تشريعاتٍ تواكبُ تطورها.
القانونُ والعلاقاتُ الدوليةُ:
لا تتوقفُ أهميةُ القانونِ عندَ حدودِ الدولة، فالعلاقاتُ الدوليةُ نفسها تقومُ على الاتفاقياتِ والمعاهداتِ والقواعدِ القانونيةِ الدولية، كما أنَ القانونَ الدوليَ العام، والقانون الدوليّ الإنساني، وقانون البحار، وحقوق الإنسان، والعلاقاتِ الدبلوماسيةِ والتحكيمِ الدولي، أصبحتْ مجالات واسعة تحتاجُ إلى متخصصين.
أثبتَ التاريخُ أنَ دراسةَ القانونِ، يمكنُ أنْ تفتحَ الطريق إلى مواقعَ دوليةٍ وسياسيةٍ رفيعة. فبطرسْ بطرسْ غالي حصلَ على بكالوريوس القانونِ منْ جامعةِ القاهرةِ عامَ 1946، ثمَ حصلَ على الدكتوراه في القانونِ الدوليِ منْ جامعةِ باريس، وأصبحَ سادس أمينٍ عامٍ للأممِ المتحدة، فضلاً عنْ عملهِ أستاذا للقانونِ الدوليِ والعلاقاتِ الدولية، وكذلكَ محمد البرادعيِ حصلَ على بكالوريوس القانونِ منْ جامعةِ القاهرةِ عامَ 1962، ثمَ حصلَ على الدكتوراه في القانونِ الدوليِ منْ جامعةِ نيويورك، وتولى منصب المديرِ العامِ للوكالةِ الدوليةِ للطاقةِ الذرية، وحصلَ على جائزةِ نوبل للسلامِ عامَ 2005.
في العراق، يمثلُ عبد الرحمن البزازِ نموذجا بارزا لرجلِ القانونِ الذي انتقلَ منْ دراسةِ القانونِ إلى مواقعَ أكاديميةٍ وسياسيةٍ عليا؛ فقدْ تخرجَ في كليةِ الحقوقِ ببغدادَ عامَ 1934، ثمَ واصلَ دراساته القانونية في كليةِ كينغزْ في لندن، وأصبحَ لاحقا أستاذ ورئيس للوزراءِ في العراق.
أما الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، فيقدمُ نموذجا آخرَ لأهميةِ التكوينِ القانونيِ في الحياةِ العامة؛ فقدْ درسَ في جامعةِ كولومبيا، وحصلَ على بكالوريوس الآداب، ثمَ حصلَ على درجةِ الدكتوراه في القانونِ منْ كليةِ الحقوقِ بجامعةِ هارفارد، وأصبحَ رئيسا للولاياتِ المتحدة. ومنْ ثمَ فقصتهُ تذكر طالبَ القانونُ بأنَ التكوينَ الجامعي، سواء كانَ قانونيا أوْ متصلاً به، يمكنُ أنْ يكونَ أساسا لمسارٍ واسعٍ في السياسةِ والمجتمعِ والقيادةِ العامة.
القانونُ ليسَ حفظا :
منْ أكثرِ الأخطاءِ شيوعا النظر إلى دراسةِ القانون، على أنها عمليةُ حفظٍ للموادِ والنصوص. صحيحٌ أنَ طالبَ القانونِ يحتاجُ إلى معرفةِ النصوص، لكنهُ لا يستطيعُ أنْ يكونَ قانونيا ناجحا بالحفظِ وحده. فالطالبُ القانونيُ الحقيقيُ يتعلمُ كيفَ يقرأُ النص، وكيفَ يفسره، وكيفَ يقارنهُ بغيره، وكيفَ يبحثُ عنْ الحكمِ القضائي، وكيفَ يربطُ القاعدةَ بالواقعة، وكيفَ يصلُ إلى الحلِ القانونيِ السليم.
لهذا فإنَ المشاركةَ في المحاكماتِ الصورية، وحضورِ الجلساتِ القضائية، وزيارةِ المؤسساتِ القانونية، والمشاركةِ في الندواتِ والورش، والتدربِ على كتابةِ اللوائحِ والمذكراتِ والعقود، كلها أمورا تكملُ الدراسةَ النظرية، وتحولَ المعرفةِ إلى مهارة، فالقانونُ علما ومهارة في الوقتِ نفسه.
القانونيّ بينَ العلمِ والأخلاقِ:
يتعاملُ رجلُ القانونِ في النهايةِ معَ الإنسان. وخلفَ كلِ دعوى إنسانٍ لديهِ مشكلة، وخلفَ كلِ قضيةِ أسرةٍ أوْ مالٍ أوْ حقٍ أوْ مستقبل، وخلفَ كلِ ملفٍ جنائيٍ إنسان قدْ يكونُ متهما أوْ ضحية، لذلكَ يجبُ ألا يفقدَ طالبُ القانونَ الجانبَ الإنساني، وهوَ يتعلمُ النصوص. فالقانونُ لا ينبغي أنْ يتحولَ إلى جمود، والعدالة لا ينبغي أنْ تكونَ مجرد إجراءات، وإنما يجبُ أنْ يبقى الهدفُ النهائيُ هوَ حمايةْ الحقوقِ وتحقيق التوازنِ وحلّ النزاعاتِ وفقَ القانون.
منْ هنا فإنَ شخصيةَ رجلِ القانونِ تحتاجُ إلى العلمِ والأخلاقِ معا؛ فالمعرفةُ منْ دونِ نزاهةٍ قدْ تتحولُ إلى أداة، والنزاهة منْ دونِ معرفةٍ قدْ تعجزُ عنْ أداءِ رسالتها. كما أنَ الانضباطَ جزءٌ أساسيٌ منْ شخصيةِ القانوني. فالمواعيدُ القانونيةُ مهمة، والإجراءات مهمة، وصياغةْ الكلمةِ مهمة، والخطأ في مادةٍ قانونيةٍ أوْ موعد طعنٍ قدْ تترتبُ عليهِ نتائجُ كبيرة. ولذلكَ فإنَ احترامَ النظامِ والمواعيدِ والتعليماتِ والبحثِ العلميِ يبدأُ منْ الجامعة، قبلَ أنْ يصبحَ واجبا مهنيا.
إلى أينَ يصلُ خريج القانون؟
أمامَ خريجِ القانونِ مجالات واسعة إذا امتلكَ العلم والمهارة؛ فيمكنهُ العملُ في القضاء، أوْ المحاماة، أوْ الوظائفِ القانونيةِ في مؤسساتِ الدولة، أوْ الشركاتِ والمصارف، أوْ مكاتب الاستشاراتِ القانونية، أوْ المجال الدبلوماسيّ والعلاقات الدولية، أوْ المنظمات الدولية، أوْ البحث والتدريس الأكاديميّ بعدَ مواصلةِ الدراساتِ العليا.
يستطيعُ أنْ يتخصصَ في مجالاتٍ حديثةٍ تتزايدُ الحاجةُ إليها، مثلَ قانونِ الاستثمارِ والمصارف، والتحكيمِ الدولي، والملكيةِ الفكرية، والجرائمِ الإلكترونية، وحمايةِ البيانات، والذكاءِ الاصطناعيِ والتجارةِ الإلكترونية، وهنا تكمنُ قوةُ دراسةِ القانون: فهيَ لا تفتحُ للخريجِ بابا واحدا، وإنما تمنحهُ مسارات مهنية وعلمية متعددة.- القانون. . . خدمةٌ للإنسانِ أجملُ ما في دراسةِ القانونِ أنَ المعرفةَ القانونيةَ يمكنُ أنْ تتحولَ إلى خدمةٍ مباشرةٍ للإنسان، فقدْ يساعدُ المحامي شخصا في استردادِ حقه، ويحمي المستشارُ القانونيُ مؤسسةً منْ عقدٍ خاطئ، ويسهمُ القاضي في إنهاءِ نزاعٍ طويل، ويمنعُ الموظف القانونيّ قرارا مخالفا للتشريع، ويساعدُ الباحث في تطويرِ قانونٍ يعالجُ مشكلةً اجتماعية. وهكذا يتحولُ القانونُ منْ نصٍ مكتوبٍ في كتابٍ إلى وسيلةٍ لحلِ المشكلاتِ وحمايةِ الحقوقِ وتحقيقِ الاستقرار.
إنَ دراسةَ القانونِ ليستْ اختيارا أكاديميا عاديا، لأنها ترتبطُ مباشرةً بالدولةِ والمجتمعِ والعدالةِ والحقوق. والقانونيُ الناجحُ ليسَ منْ يحفظُ أكبرَ عددٍ منْ المواد، وإنما منْ يفهمُ النص، ويحللُ الواقعة، ويبحثُ عنْ الحل، ويحترمُ العدالة، ويتحملُ مسؤوليةَ الكلمةِ والقرار. وفي عالمٍ تتسارعُ فيهِ التحولاتُ الاقتصاديةُ والتكنولوجيةُ والسياسيةُ والاجتماعية، لنْ تقلَ أهميةُ القانون، بلْ ستزدادُ الحاجةُ إلى رجالِ قانونٍ قادرينَ على فهمِ الواقعِ الجديدِ ووضعهِ في إطارٍ قانونيٍ يحمي الإنسان، وينظمُ المجتمع.
فالقانونُ في النهايةِ ليسَ مجرد مهنة، وإنما علم وعدالة ومسؤولية ورسالة إنسانية؛ وكلما كانَ المجتمعُ أكثرَ وعيا بالقانون، كانَ أكثر قدرةٍ على حمايةِ حقوقِ أفراده، وبناءِ مؤسساته، وتحقيقِ الاستقرارِ والتنمية.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال دراسة القانون بوصفها مدخلًا لفهم الإنسان والمجتمع والدولة، لا طريقًا لحفظ النصوص أو الحصول على وظيفة فحسب. فالقانون هو أساس حماية الحقوق وبناء المؤسسات وتحقيق العدالة، فيما يحتاج القانوني الناجح إلى المعرفة والمهارة والنزاهة معًا. ويستعرض المقال تنوع المسارات المهنية أمام الخريجين، مؤكدًا أن رسالة القانون النهائية هي خدمة الإنسان وتنظيم المجتمع ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!