إنّ التمسّك بالمرجعية الدينية ليس مجرّد التزامٍ تقليدي، بل هو صمام أمانٍ يحول دون الانزلاق في مهاوي الانحراف الفكري وتقلبات المواقف غير المنضبطة.
ومن يتأمّل في مسيرة المرجعية الدينية العليا في الشأن العام، يُدرك بجلاء أن ما تتّسم به من وضوح الرؤية ونفاذ البصيرة؛ وهي ميزة يتميّز فيها أعلام مدرسةِ أهل البيت (عليهم السلام)، وإحدى نتائج الغوص في تراث العترة الطاهرة، واستلهام مواقف الأئمة (عليهم السلام) في مختلف المنعطفات التي شهدها تاريخهم.
لقد أثبتت الأيام أنّ كثيرًا من مواقف المرجعية لم تكن آنية الأثر، بل كانت بعيدة المدى، تُجنى ثمارها بعد حين، حين تنكشف حكمتها لمن لم يكن يمتلك أفق النظر البعيد.. فكم من موقفٍ بدا للبعض غامضًا في حينه، ثم تجلّت لاحقًا أبعاده العميقة ودوافعه الرشيدة.
ومن ذلك: دعوتها لضبط النفس وحرمة الاعتداء على الآخرين في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد، التي مرّ بها العراق، وفاجعة سامراء.
وقد اتّضح أثر ذلك فيما بعد، فلولا تلك المواقف الحكيمة لكنّا لغاية اللحظة التي نعيشها في حالة من العنف والفوضى.
كما أنّ بعض المواقف التي أصدرتها كان فيها حماية لأرواح أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف البلدان. ومن تلك المواقف الحكيمة: دعوتها إلى التمسك بالهوية الوطنية والرجوع عند الأزمات إلى أهل الحلِّ والعقد في كلّ بلد.
ومنها: ما صدر عنها في بيانها الذي أدانت فيه العدوان الظالم على شعوب المنطقة، والذي لم تغفل فيه المرجعية العليا عما يمكن أن يكون سببًا في حفظ أرواح شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في المنطقة وحمايتهم من كيد الظالمين.
وهكذا تظلّ مواقف المرجعية الدينية العليا دليلًا حيًّا على حكمتها وعمق رؤيتها في معالجة القضايا، ولسانُ حالِها لمن يقصر نظرُهُ على بعض المكاسب الآنية: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 75).


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!