كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المرجعية... لم تنحز إلا إلى الشعب ومطالبه المشروعة

المرجعية... لم تنحز إلا إلى الشعب ومطالبه المشروعة

﴿مِنكُم مَّنِ انْحَازَ إِلَى الِاسْتِبْدَادِ، وَمِنكُم مَّنِ انْحَازَ إِلَى الِاحْتِلَالِ، أَمَّا الْمَرْجِعِيَّةُ فَلَمْ تَنْحَزْ إِلَّا إِلَى الشَّعْبِ وَمَطَالِبِهِ الْمَشْرُوعَةِ.﴾

كتب أحدهم أن سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الشريف) قد أكثر من التدخل في العملية السياسية، ولم يقتصر دوره على النصح والإرشاد والمتابعة والتقييم، محاولاً أن يوحي للقارئ بأن المرجعية الدينية أخطأت كما أخطأ غيرها، وأنها تجاوزت حدود مسؤوليتها الشرعية.

ولتعزيز هذه الدعوى، أحصى عدداً من المواقف التي وصفها بأنها "تدخلات"، وأورد لها مصادر مختلفة. غير أن المتابع المنصف لتاريخ العراق الحديث، ولخطاب المرجعية منذ عام 2003، يدرك أن تلك المواقف لم تكن انحيازاً إلى حزب أو تيار أو سلطة، وإنما جاءت دفاعاً عن العراق، وحفاظاً على مصالح شعبه، في مرحلة كانت الدولة فيها مهددة بالانهيار، تتنازعها المحاصصة والصراعات السياسية والتدخلات الخارجية.

والحقيقة أن ستة من النقاط التي عدّها الكاتب تدخلات لا يمكن وصفها بذلك من الناحية السياسية أو القانونية؛ فهي في جوهرها دعوات ومطالبات وإرشادات عامة. والدعوة إلى الإصلاح، أو المطالبة بمكافحة الفساد، أو الحث على احترام الدستور، أو الدعوة إلى انتخابات نزيهة، لا تُعد تدخلاً في القرار السياسي، بل تمثل ممارسة مشروعة للدور الأخلاقي والوطني الذي تضطلع به المرجعيات الدينية والفكرية في مختلف دول العالم.

أما التدخل المرفوض، فهو الذي يقوم على فرض الإرادة بالقوة، أو ممارسة الوصاية على مؤسسات الدولة، أو إلزام السلطات التنفيذية والتشريعية بقرارات تصدر خارج الأطر الدستورية. وهذا ما لم تمارسه المرجعية الدينية يوماً، بل كانت تؤكد باستمرار أن القرار النهائي يعود إلى الشعب ومؤسساته المنتخبة، وأن مسؤولية المرجعية تنحصر في بيان الموقف الشرعي والأخلاقي، وترك الخيار للأمة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقف سماحة السيد السيستاني (دام ظله) من كتابة الدستور العراقي بعد عام 2003. فقد تدخل في أصل المسألة، لا ليفرض رؤية المرجعية على العراقيين، وإنما ليمنع سلطة الاحتلال من فرض دستور يُكتب بإرادتها، مؤكداً أن الدستور يجب أن يُصاغ بأيدي العراقيين، وأن يُعرض على الشعب ليقول كلمته فيه.

ومع أن المرجعية كانت تمتلك من المكانة والتأثير ما يمكّنها من التدخل في تفاصيل كثيرة، فإنها امتنعت عن ذلك، وتركت صياغة المواد القانونية لممثلي الشعب، مع إبداء ملاحظاتها العامة وتحفظاتها على بعض المسارات، احتراماً لإرادة العراقيين.

ولو تأملنا تدخلات المرجعية الجوهرية في ملف الدستور، لوجدنا أنها انحصرت في ثلاث ثوابت كبرى لا رابع لها:

- الحفاظ على الهوية الإسلامية للعراق بوصفها هوية أغلبية الشعب، مع احترام التعددية الدينية والفكرية.
- صيانة وحدة العراق أرضاً وشعباً، ورفض كل المشاريع التي تهدد وحدته الوطنية.
- ضمان حقوق جميع المكونات والأقليات، وترسيخ مبدأ المواطنة والعدالة بين أبناء الوطن.

ولم تكن هذه الثوابت دفاعاً عن فئة دون أخرى، ولا سعياً إلى مكسب سياسي، وإنما كانت محاولة لحماية الدولة العراقية من الانقسام، وصيانة السلم الأهلي في مرحلة من أخطر مراحل تاريخها الحديث.

لقد وقفت المرجعية بين محنتين عظيمتين: إرث الاستبداد من جهة، وضغوط الاحتلال من جهة أخرى، فرفضت أن تكون امتداداً لأي منهما، وانحازت إلى الشعب وحده، وإلى حقه في اختيار مستقبله، وبناء دولته، وصيانة كرامته.

ومن هنا، فإن تقييم مواقف المرجعية ينبغي أن يكون في سياقها التاريخي والوطني، لا من خلال اجتزاء بعض المواقف أو إطلاق وصف "التدخل" عليها دون تمييز بين النصح والإرشاد، وبين الوصاية وفرض الإرادة. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المرجعية، في أكثر المحطات حساسية، لم تجعل مصلحة أي حزب أو حكومة فوق مصلحة العراق، بل بقيت بوصلتها ثابتة نحو الشعب، ومطالبه المشروعة، ووحدة الوطن، وسيادته.

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال فاصلاً واضحاً بين التدخل السياسي القائم على فرض الإرادة، وبين الدور الوطني والأخلاقي الذي مارسته المرجعية الدينية في أحلك مراحل العراق. فالمرجعية لم تسعَ إلى سلطة أو مكسب حزبي، بل دافعت عن حق العراقيين في كتابة دستورهم واختيار ممثليهم وحماية وحدة وطنهم. ويؤكد النص أن بوصلتها بقيت متجهة نحو الشعب وسيادة العراق ومطالبه المشروعة.

السيد_السيستاني.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!