حين يتحول الشك إلى أداة لهدم اليقين
في كل عصر من العصور ظهرت تيارات فكرية تسعى إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات والمفاهيم، وهو أمر قد يكون محموداً إذا كان هدفه البحث عن الحقيقة وتطوير المعرفة. إلا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشك من وسيلة معرفية إلى غاية بحد ذاته، ويصبح التشكيك منهجاً دائماً يطال حتى البديهيات والحقائق التي تقوم عليها المجتمعات والعلوم والأنظمة الفكرية.
البديهيات هي الحقائق الواضحة التي يدركها العقل السليم دون حاجة إلى استدلال معقد، وهي تشكل الأساس الذي تُبنى عليه سائر المعارف الإنسانية. فلو جرى التشكيك في كل شيء دون ضوابط عقلية ومنهجية، لأصبح الوصول إلى أي يقين أمراً مستحيلاً، ولتحولت المعرفة إلى فوضى لا ضابط لها.
ومن الملاحظ أن بعض الأفراد أو الجماعات يفضلون تبني منهج الجدل والتشكيك المستمر، لا بدافع البحث العلمي، بل نتيجة دوافع نفسية أو فكرية أو أيديولوجية تسعى إلى هدم المعايير المستقرة وإثارة الاضطراب الفكري داخل المجتمع. وقد أشار الإمام محمد الجواد عليه السلام إلى خطورة الجهل بقوله: «لو سكت الجاهل ما اختلف الناس»، في إشارة إلى أن كثيراً من النزاعات تنشأ من الحديث بغير علم ومن نشر الأفكار دون إدراك حقيقي لآثارها.
وتعتمد مدارس التشكيك في الغالب على إثارة الأسئلة دون تقديم بدائل معرفية رصينة، أو على إعادة إنتاج الشبهات والأفكار المضطربة عبر وسائل الإعلام والكتابات المختلفة، مما يؤدي إلى خلق حالة من الحيرة والاضطراب الفكري. كما أن بعض هذه التيارات تسعى إلى إضعاف الثقة بالثوابت الاجتماعية والثقافية والدينية، وتقديم الشك بوصفه علامة على النضج الفكري، في حين أن الشك غير المنضبط قد يتحول إلى أداة لهدم كل بناء معرفي.
إن الآثار المترتبة على رفض البديهيات لا تقف عند حدود الجدل النظري، بل تمتد إلى مجالات أوسع، فتؤدي إلى ظهور مفاهيم مشوهة، والتلاعب بالقوانين والسياسات، وإضعاف الهوية الثقافية، وتراجع مستوى التعليم والبحث العلمي، فضلاً عن زيادة الأزمات الفكرية والاجتماعية. كما يمكن أن تسهم في تحريف قراءة التاريخ وتغيير منظومة القيم التي تحفظ تماسك المجتمعات واستقرارها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التفكير أو النقد، بل في التمييز بين النقد العلمي البنّاء وبين التشكيك العبثي. فالمجتمعات القوية هي تلك التي تجمع بين الانفتاح على المعرفة الجديدة والمحافظة على الأسس العقلية والثوابت التي تضمن استمرارها واستقرارها.
إن التاريخ يقدم شواهد كثيرة على أن المجتمعات التي تخلت عن معاييرها وقيمها الأساسية، أو سمحت بتحويل الشك إلى منهج دائم لهدم اليقين، دخلت في دوامات من الاضطراب والانقسام وفقدان الهوية. ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى ترسيخ الثقافة النقدية الرصينة التي تبني المعرفة ولا تهدمها، وتفتح باب التفكير دون أن تجعل من إنكار البديهيات غاية بحد ذاتها.
✦ كتابات في الميزان ✦
يركز المقال على التمييز بين الشك بوصفه أداةً معرفية تساعد على الوصول إلى الحقيقة، وبين تحويله إلى منهج دائم يهدف إلى تقويض الثوابت والبديهيات. ويؤكد أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تُبنى دون مسلمات عقلية تشكل أساس التفكير والاستدلال، وأن التشكيك غير المنضبط يقود إلى الفوضى الفكرية بدلًا من إنتاج المعرفة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!