كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الفوضى تبدأ من هنا

حين يتحول الشك إلى أداة لهدم اليقين

تُعدّ البديهيات الركائز الأولى التي يقوم عليها البناء المعرفي للإنسان، فهي الحقائق الواضحة التي لا تحتاج في أصلها إلى برهان، لأنها تمثل نقطة الانطلاق لكل استدلال عقلي أو علمي. وإذا كانت الحضارات تُبنى على الثوابت، فإن أولى خطوات هدمها تبدأ من التشكيك في تلك الثوابت وتحويلها إلى موضوع للجدل الدائم. ومن هنا برزت في عصرنا واحدة من أخطر الظواهر الفكرية، وهي ظاهرة التشكيك في البديهيات، حتى غدا الطعن في المسلمات يُقدَّم أحيانًا على أنه دليل على الانفتاح الفكري وحرية التفكير، بينما يقود في حقيقته إلى زعزعة اليقين، وإرباك العقول، وإضعاف المنظومة القيمية التي تحفظ استقرار المجتمعات.

لقد أفرزت التحولات الفكرية الحديثة وما بعدها تيارات اتخذت من الشك منهجًا عامًا، فلم تكتفِ بمناقشة الآراء والنظريات القابلة للنقد، بل تجاوزت ذلك إلى التشكيك في الحقائق الراسخة، وإعادة تعريف القيم والمعايير، حتى أصبحت كثير من المسلمات محل أخذ ورد، لا بدافع البحث عن الحقيقة، وإنما لإحداث حالة من السيولة الفكرية التي تفقد الإنسان مرجعياته، وتجعله أكثر قابلية للتأثر بأي خطاب جديد، مهما كان بعيدًا عن العقل والمنطق.

ومنذ أن عرف الإنسان معنى الحضارة، كان العلم هو الطريق إلى الرقي، والمعرفة هي الوسيلة لفهم الحياة وحل مشكلاتها، ولذلك تنافست الأمم في بناء المدارس والمكتبات، وازدهرت الحضارات كلما ازداد تقديرها للعلم والعلماء. ومع ذلك، بقي في كل عصر من يختار الجهل طوعًا، لا لعجزه عن الوصول إلى المعرفة، وإنما لأنه يجد في الجهل راحة من عناء التفكير، أو لأنه يجعل أهواءه ومصالحه الشخصية حاكمة على عقله.

والجهل ليس مرتبة واحدة، بل تتفاوت صوره؛ فقد يكون انعدامًا للعلم، أو ضعفًا في الفهم، أو عجزًا عن إدراك الحقائق وربطها، وقد يتحول إلى حالة يسيطر فيها الهوى على الإنسان، فيرفض الحق لأنه لا يوافق رغباته، ويخاصم الدليل لأنه يناقض قناعاته المسبقة. ومن هنا جاءت الكلمة الخالدة للإمام محمد الجواد (عليه السلام): «لو سكت الجاهل ما اختلف الناس.» فهي لا تختزل سببًا من أسباب الخلاف فحسب، بل تكشف أن كثيرًا من الفتن الفكرية تنشأ حين يتصدر غير المؤهلين للكلام، فيخوضون فيما لا يعلمون، وينشرون الشبهات دون علم أو مسؤولية.

وفي واقعنا المعاصر، لم يعد التشكيك سلوكًا فرديًا عابرًا، بل أصبح في أحيان كثيرة مشروعًا تتبناه جماعات ومنصات إعلامية واتجاهات فكرية، تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، من خلال التشكيك المستمر في الثوابت، وإضعاف الثقة بالموروث العلمي والثقافي والديني. والمشكلة لا تكمن في طرح الأسئلة أو ممارسة النقد العلمي، فذلك من أسس المعرفة، وإنما تكمن في تحويل الشك إلى غاية بحد ذاته، بحيث لا يُراد الوصول إلى الحقيقة، وإنما إبقاء الإنسان في دائرة الارتياب الدائم.

ولهذا نجد أن كثيرًا من هذه الخطابات تعتمد على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الأجوبة، وعلى الجدل أكثر من البرهان، وعلى التشكيك أكثر من البناء. وهي في الغالب لا تمتلك مشروعًا فكريًا متكاملًا، بل تقوم على اقتطاع النصوص من سياقاتها، وإعادة تدوير الشبهات، واستنساخ الأقوال دون فهم دقيق لمعانيها أو لمناهج الاستدلال التي قامت عليها.

ومن هنا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بالانفعال أو المهاترة، وإنما بالعلم، والحوار الهادئ، وتعزيز الوعي، وإحياء المنهج العقلي الرصين الذي يميز بين السؤال الباحث عن الحقيقة، والسؤال الذي يُراد منه نشر الفوضى الفكرية. فليس كل من يسأل طالبًا للمعرفة، كما أن كثرة الأسئلة لا تعني دائمًا عمق التفكير، بل قد تكون وسيلة لإرباك العقول وإضعاف الثقة باليقين.

وإذا تأملنا في الغايات التي تتحرك في ظلها مشاريع التشكيك، أمكن الوقوف على أهداف واضحة، في مقدمتها تقويض المعايير المستقرة التي تحفظ تماسك المجتمعات، والطعن في الأصول والثوابت، وإضعاف الثقة بالأدلة العقلية والعلمية، واستبدال البرهان بالجدل، حتى يغدو كل شيء قابلًا للنقض، ولا يبقى في حياة الإنسان معيار ثابت يحتكم إليه.

ولا تقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الجدل النظري، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة. فحين تضيع البديهيات، تضطرب المفاهيم، وتختلط الحقائق بالأوهام، وتظهر قراءات جديدة للتاريخ تشوه الوقائع، وتُحرَّف الأحداث، وتُستبدل القيم الراسخة بمعايير متقلبة تخضع للأهواء والاتجاهات الفكرية السائدة.

ومن نتائج ذلك أيضًا ظهور مفاهيم ثقافية ودينية وأدبية بعيدة عن حقيقتها، والعبث بالأنظمة والقوانين، وإضعاف الهوية الثقافية، وتشويه المناهج التعليمية، وتراجع قيمة البحث العلمي، حتى يصبح الرأي مساويًا للحقيقة، والادعاء مكافئًا للدليل، ويُتهم أصحاب المواقف العلمية الراسخة بالجمود، بينما يُقدَّم أصحاب الشكوك بوصفهم روادًا للتجديد.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يشن حربًا عسكرية تُرى آثارها بالعين، وإنما يخوض حربًا صامتة تستهدف العقول قبل الأجساد، والهوية قبل الأرض، والقيم قبل المصالح. إنها حرب تُفقد المجتمعات ثقتها بنفسها، وتدفعها إلى التخلي عن المبادئ التي حفظت كرامتها عبر التاريخ، حتى تنتهي إلى التفكك الأخلاقي، والانهيار الثقافي، وفقدان القدرة على التمييز بين الحق والباطل.

ولذلك فإن الحفاظ على البديهيات لا يعني إغلاق باب التفكير، ولا مصادرة حرية البحث، وإنما يعني صيانة الأسس التي يقوم عليها التفكير السليم. فالنقد الحقيقي يبدأ بعد التسليم بالمقدمات الصحيحة، أما تحويل كل حقيقة إلى موضع شك، فهو ليس منهجًا علميًا، بل طريق يقود إلى الفوضى المعرفية، حيث يفقد العقل أدواته، ويضيع الإنسان بين الشبهات المتراكمة.

إن الأمم التي حافظت على ثوابتها، مع انفتاحها الواعي على المعرفة، استطاعت أن تبني حضارات راسخة، أما تلك التي سمحت للشك أن يهدم يقينها، فقد دفعت ثمن ذلك اضطرابًا في الفكر، وتفككًا في الهوية، وتراجعًا في القيم. والتاريخ، قديمه وحديثه، مليء بالشواهد التي تؤكد أن سقوط الأمم يبدأ حين تفقد بوصلتها الفكرية، وتتنازل عن المبادئ التي قامت عليها.

والخلاصة أن مناقشة البديهيات ليست دائمًا دليلًا على عمق الفكر أو نضجه، بل قد تكون بداية الانزلاق إلى فوضى معرفية تُهدم فيها الثوابت، ويُستبدل اليقين بالشك، والعلم بالجدل، والحقيقة بالأهواء. ومن هنا تبرز مسؤولية العلماء والمثقفين والمؤسسات التربوية والإعلامية في ترسيخ الوعي، وتعزيز ثقافة البرهان، وصيانة العقول من الخطابات التي تتخذ من التشكيك غاية، ومن هدم اليقين مشروعًا.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال ظاهرة التشكيك في البديهيات بوصفها من أخطر التحديات الفكرية المعاصرة، موضحًا أن النقد العلمي يختلف عن تحويل الشك إلى منهج دائم يزعزع الثوابت ويُربك الوعي. ويؤكد الكاتب أن بناء المجتمعات يقوم على اليقين المستند إلى البرهان، وأن حماية الهوية والقيم لا تعني رفض الحوار أو البحث، بل ترسيخ ثقافة العلم والعقل والمنهجية الرصينة في مواجهة الخطابات التي تستهدف إضعاف الثقة بالحقائق والمسلمات.

الفوضى.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!