كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مستويات العقل

منذ أن بدأ الإنسان رحلة البحث عن ذاته، لم يتوقف عن طرح الأسئلة التي تستكشف حقيقة الوجود وطبيعة الإنسان ومصيره. غير أن كثيرًا من تلك الأسئلة بقي حبيس دائرة التساؤل، لا لأن الإجابات مفقودة، وإنما لأن أصحابها لم يمنحوا أنفسهم فرصة البحث الجاد، أو الاستعانة بأهل العلم والمعرفة، أو التحرر من القيود التي تفرضها الموروثات والأفكار المسبقة. فالرغبة في الانتصار للرأي، أو الخوف من انهيار القناعات الراسخة، كثيرًا ما تحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الحقيقة.

ومن بين الأسئلة التي لا تزال تتكرر عبر الأجيال سؤال بالغ الأهمية: هل يمتلك جميع الناس المستوى نفسه من العقل والإدراك؟ وهل العقول متساوية في تكوينها وقدرتها على الفهم والتحليل والاستيعاب، أم أن بينها تفاوتًا فطريًا وموضوعيًا؟ وإذا كان هذا التفاوت قائمًا، فما أسبابه وحدوده؟

تنظر الرؤية الإسلامية إلى العقل بوصفه أعظم النعم التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، وأحد أهم الحجج التي تقوم عليها مسؤولية التكليف. فبالعقل يعرف الإنسان خالقه، ويميز بين الحق والباطل، ويهتدي إلى الخير، ويستوعب حقائق الحياة، ولذلك احتل العقل مكانة مركزية في القرآن الكريم والسنة الشريفة والتراث الإسلامي.

وفي المقابل، تؤكد الدراسات الحديثة في علوم الأعصاب أن الدماغ البشري يعد من أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا، إذ يضم ما يقارب ستةً وثمانين مليار خلية عصبية، ترتبط فيما بينها عبر مليارات الوصلات العصبية التي تشكل شبكة هائلة مسؤولة عن التفكير والإدراك والذاكرة والتعلم واتخاذ القرار. كما تؤدي الخلايا الدبقية دورًا مهمًا في دعم هذه الشبكة العصبية والمحافظة على كفاءتها، وهو ما يكشف عن جانب من الإعجاز في خلق الإنسان.

ولفهم طبيعة الاختلاف بين مستويات الإدراك، يقدم لنا التراث الإسلامي تصورًا عميقًا ينسجم في كثير من جوانبه مع ما توصلت إليه الدراسات النفسية والعصبية الحديثة. فقد روى الشيخ الكليني في كتاب الكافي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حديثًا يبين فيه اختلاف الناس في مراتب الفهم والاستيعاب.

فقد سأل إسحاق بن عمار الإمام الصادق (عليه السلام) عن سبب اختلاف الناس في تلقي الكلام، إذ إن بعضهم يدرك المعنى بمجرد الإشارة، وبعضهم لا يفهم إلا بعد اكتمال الحديث، بينما يحتاج آخرون إلى إعادة الكلام مرة بعد أخرى. فأجاب الإمام (عليه السلام) بأن ذلك يعود إلى اختلاف كيفية تكوين العقل؛ فمن الناس من عجنت نطفته بعقله، ومنهم من ركب عقله وهو في بطن أمه، ومنهم من اكتمل عقله بعد أن كبر.

لا يراد من هذه الرواية تصنيف الناس أو المفاضلة بينهم بقدر ما تهدف إلى بيان حقيقة الاختلاف في القدرات العقلية، وأن التفاوت في سرعة الفهم والاستيعاب أمر طبيعي تقتضيه سنن الخلق، وهو ما يفسر اختلاف الناس في التعلم والتحليل واتخاذ المواقف.

ومن خلال هذا البيان، يلفت الإمام الصادق (عليه السلام) الأنظار إلى أن تكوين العقل ليس عاملًا منفصلًا عن بقية المؤثرات، بل يتداخل مع جملة من الأسباب الوراثية والبيئية التي تبدأ منذ المراحل الأولى لتكوين الإنسان، وقد تستمر آثارها حتى بعد الولادة.

فالعوامل الوراثية تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل الاستعدادات العقلية، كما أن صحة الأم أثناء الحمل، ونوعية الغذاء، والحالة النفسية، والابتعاد عن المؤثرات الضارة كالمخدرات والكحول والمواد الكيميائية السامة، كلها عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على سلامة النمو العصبي للجنين.

ولا يتوقف تأثير البيئة عند مرحلة الحمل، بل يمتد إلى مراحل الطفولة والشباب، حيث تؤثر نوعية الغذاء، ونقاء الماء والهواء، ومستوى الرعاية الصحية والتعليم، والبيئة الاجتماعية والثقافية، في تنمية القدرات العقلية وصقل مهارات التفكير والإبداع. وعلى النقيض من ذلك، فإن البيئات الملوثة، وسوء التغذية، والتعرض المستمر للسموم أو الضغوط النفسية، قد تسهم في إضعاف القدرات الذهنية وتقليل كفاءة الأداء العقلي.

إن الرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) لا تقدم تفسيرًا غيبيًا مجردًا لاختلاف الناس، وإنما تضع أساسًا لفهم التنوع البشري بوصفه سنة من سنن الله في الخلق، وتدعو إلى مراعاة الفروق الفردية في التربية والتعليم والتعامل الاجتماعي، بعيدًا عن الأحكام المطلقة أو المقارنات غير المنصفة.

ويبقى العقل أعظم ما يملكه الإنسان، وكلما أحسن رعايته وتنميته بالعلم والتجربة والتأمل، ازداد بصيرةً وقدرةً على فهم الحياة واتخاذ المواقف الرشيدة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال قضية تفاوت القدرات العقلية بين الناس من منظور يجمع بين الرؤية الإسلامية والمعرفة العلمية الحديثة، مؤكدًا أن اختلاف مستويات الفهم والإدراك سنة إلهية لا تعني التفاضل المطلق بين البشر. ويستند إلى رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) لتفسير هذا التنوع، مع ربطها بما توصلت إليه علوم الأعصاب حول أثر العوامل الوراثية والبيئية في نمو الدماغ والقدرات الذهنية. ويخلص إلى أن تنمية العقل بالعلم والتربية والتأمل هي السبيل الأمثل لاستثمار هذه النعمة الإلهية.

العقل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!