تعدُ الكبائر، في جوهرها، تجاوزا للحدودِ الأخلاقيةِ والقيميةِ التي تنظمُ حياةْ الإنسان، سواء في علاقتهِ بخالقه، أوْ في تعاملهِ معَ المجتمعِ والدولة، وإذا كانتْ الكبائر الدينية، تعرفُ بأنها الذنوبُ العظيمةُ التي نهتْ عنها الشرائعُ لما يترتبُ عليها منْ فسادٍ في الفردِ والمجتمع، فإنَ الكبائرَ السياسية، تتمثلُ في الانحرافاتِ الجسيمةِ التي يرتكبها أصحابُ السلطة، مثلَ الاستبداد، الفساد، انتهاك الحقوق، وإهدار العدالة، بما يقوضُ أسسَ الدولة، ويزعزعُ ثقةَ المواطنين.
منْ هنا يبرزُ التقاطعُ بينَ المجالين؛ فالأخلاقُ ليستْ شأنا فرديا فحسب، بلْ هيَ أيضا أساس لممارسةِ السلطةِ الرشيدة، فحينَ تنفصلُ السياسةُ عنْ القيم، تتحولُ السلطةُ إلى أداةٍ للهيمنةِ بديلاً، عنْ أنْ تكونَ وسيلة لتحقيقِ المصلحةِ العامة، وحينَ تهملُ المبادئُ الأخلاقيةُ في إدارةِ الشأنِ العام، تصبحُ الكبائرُ السياسيةُ امتدادا عمليا للانحرافِ الأخلاقي.
هنالكَ مجموعةٌ منْ الأخطاء، بنيتْ عليها العمليةُ السياسيةُ في العراق، منذُ التغييرِ الذي حصلَ بعدَ العامِ 2003، فعندما، تهدمُ الأخطاءُ أوطانا، فليستْ الدول التي تنهارُ فجأة، بلْ تنهار، عندما تتراكمُ الأخطاء، وتتحولُ إلى ثقافة، ثمَ إلى نظام، ثمَ إلى واقعٍ يصعبُ تغييره، وما يمرُ بهِ العراق، اليومَ ليسَ وليدَ ظرفٍ عابر، بلْ هوَ نتيجةْ سلسلةٍ منْ الكبائرِ السياسيةِ التي أضعفتْ الدولة، وأفقدتْ المواطنَ ثقتهُ بالمؤسسات، حتى أصبحَ الإصلاحُ أكثرَ صعوبة، وإنْ لمْ يكنْ مستحيلا.
إنَ أولى هذهِ الكبائر، هيَ قانون الانتخابات، عندما لا يكونُ معبرا بصدقٍ عنْ إرادةِ الشعب، بلْ يتحولُ إلى وسيلةٍ لإعادةِ إنتاجِ القوى نفسها، مهما تغيرتْ التسمياتُ أوْ الآليات. فالقوانينُ الانتخابيةُ لا تقاسُ بما تحملهُ منْ مصطلحات، وإنما بما تحققه منْ عدالةٍ وتمثيلٍ حقيقيٍ لإرادةِ المواطنين.
في حينِ تتمثلُ الكبيرةُ الثانية، في المحاصصةِ السياسية، ذلكَ النهج الذي لمْ يستندْ إلى نصٍ دستوري، وإنما فرضَ نفسهُ عرفٌ سياسيٌ قامَ على توزيعِ المناصبِ والنفوذ، بديلاً عنْ اعتمادِ الكفاءةِ والنزاهة، وقدْ أثبتتْ التجاربُ أنَ الدولةَ لا تبنى بتقاسمِ الغنائم، وإنما ببناءِ المؤسساتِ القويةِ التي يكونُ معيارها الوحيدُ هوَ خدمةَ الوطن.
وتقع الكبيرةُ الثالثة، على عاتقِ بعضِ الناخبين، الذينَ يبيعونَ أصواتهمْ بثمنِ بخس، أوْ مقابلَ منفعةٍ مؤقتة، ثمَ يشتكونَ منْ الفسادِ وسوءِ الإدارة. إنَ الصوتَ الانتخابيَ أمانة، والله سبحانهُ وتعالى يقول: (إنَ اللهَ يأمركمْ أنْ تؤدوا الأماناتِ إلى أهلها ) ، ومنْ يفرطُ في أمانته، فإنهُ يسهم- منْ حيثُ يدري، أوْ لا يدري- في استمرارِ الفسادِ وإعادةِ إنتاجه.
أما الكبيرةُ الرابعة، فهيَ فساد بعضِ الموظفينَ والمسؤولينَ الذينَ نسوا القسمَ الذي أدوهُ عندَ تسلمِ مناصبهم، وغابتْ عنهمْ مراقبةْ اللهِ قبلَ رقابةِ القانون، فالوظيفةُ العامة، ليستْ امتيازا، ولا بابا للإثراء، بلْ هيَ تكليف لخدمةِ الناس، كما وردَ في الحديثِ الشريف: (كلكمْ راع، وكلكمْ مسؤول عنْ رعيتهِ ) .
وتأتي الكبيرة الخامسة، وهيَ الأخطر، في ضعفِ المحاسبةِ والرقابة، إذْ لا يمكنُ لدولةٍ أنْ تستقيم، إذا غابَ القانون، أوْ تعطلتْ أدواتُ الرقابة، وقدْ صدقتْ الحكمة التي تقول: (منْ أمنِ العقابِ أساءَ الأدبُ ) . فحينَ يشعرُ الفاسد، أنَ العقوبةَ بعيدةٌ أوْ مستحيلة، يتحولُ الفسادُ منْ سلوكٍ فرديٍ إلى منظومةٍ تهددُ كيانَ الدولة.
لقدْ أثبتتْ تجاربُ الأممِ ، أنَ الإصلاحَ ليسَ حلما مستحيلا، وفي هذا السياق، لنأخذ نماذجَ منْ بعضِ الدولِ التي حاربتْ الفساد، ونهضت، فقولَ رئيس وزراءِ ماليزيا الأسبقِ مهاتيرْ محمد: (إذا أردت أنْ تقضيَ على الفساد، فعليك أنْ تبدأَ منْ القمة، وأنْ يكونَ القانونُ فوقَ الجميعِ ) ، ولمْ تحققْ سنغافورة نهضتها، لأنها كانتْ أغنى منْ غيرها، بلْ لأنها جعلتْ النزاهةَ والشفافيةَ ركيزتينِ للحكم، وأخضعتْ الجميع لسيادةِ القانون، منْ أعلى مسؤولٍ إلى أصغرِ موظف، وكذلكَ رواندا، التي خرجتْ منْ واحدةٍ منْ أبشعِ المآسي الإنسانية، استطاعتْ أنْ تؤسسَ دولة حديثة تقومُ على الانضباط، وسيادةِ القانون، والمساءلةِ الفاعلة، أما فيتنام، فقدْ حققتْ نهضة اقتصادية وإدارية لافتة بفضلِ الإصلاحِ المؤسسيِ المستمر، وربطَ المسؤوليةَ بالمحاسبة، واعتماد الكفاءةِ معيارا لتولي المناصب.
تؤكدُ هذهِ التجاربُ أنَ نهضةَ الأممِ لا تبنى بالمواردِ والثرواتِ وحدها، وإنما بالإرادةِ السياسيةِ الصادقة، والإدارة الرشيدة، وترسيخ مبادئِ النزاهةِ والعدالة، وإعلاء سيادةِ القانونِ على الجميع. يمتلكُ العراقُ منْ الثرواتِ والطاقاتِ البشريةِ ما يجعلهُ في مقدمةِ الدول، لكنهُ يحتاجُ إلى مشروعٍ وطنيٍ حقيقيٍ يجعلُ المواطنة قبلَ المحاصصة، والكفاءةِ قبلَ الولاء، والقانونِ فوقَ الجميع.
وهنا لا بد، وأنْ نتذكرَ قولهُ سبحانهُ وتعالى: (إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهمْ ) ، فهذهِ الآية ترسمُ طريقَ الإصلاحِ الحقيقي، إذْ لا يمكنُ أنْ يتغيرَ الواقعُ ما لمْ تتغيرْ السلوكياتُ والقيم، لدى الحاكمِ والمحكوم، والمسؤولِ والمواطن. وكذلكَ قولهِ وتعالى: (وقلْ اعملوا فسيرى اللهُ عملكمْ ورسوله والمؤمنونَ ) .
إنَ العراقَ، لا يحتاجُ إلى شعاراتٍ جديدةٍ بقدرِ ما يحتاجُ إلى ضمائرَ حية، وإلى رجالِ دولةٍ يضعونَ مصلحةَ الوطنِ فوقَ المصالحِ الشخصيةِ والحزبية، وإلى شعبٍ يدركُ أنَ بناءَ الأوطانِ يبدأُ منْ حسنِ الاختيار، واحترامِ القانون، ومحاسبةِ الفاسدين، فإذا كانتْ هذهِ هيَ الكبائرُ السياسيةُ التي تهدمُ الدول، فإنَ الصدق، والعدل، والنزاهة، والكفاءة، والمساءلة، هيَ الفضائلُ السياسيةُ التي تبنيها. وما بينَ الهدمِ والبناء، يبقى القرارُ بيدِ أبناءِ الوطنِ جميعا.
":" كتابات في الميزان ":"
يتناول الكاتب مفهوم "الكبائر السياسية" بوصفها انحرافات أخلاقية وإدارية تهدد استقرار الدولة وتقوض ثقة المواطنين بالمؤسسات. ويركز على جملة من التحديات، منها قانون الانتخابات، والمحاصصة، وشراء الأصوات، والفساد الإداري، وضعف المحاسبة، مع الاستشهاد بتجارب دول نجحت في ترسيخ النزاهة وسيادة القانون. ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القيم، والإرادة السياسية، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة. ويخلص إلى أن بناء الدولة يتطلب مواطنة واعية، ومؤسسات كفوءة، وعدالة تُطبق على الجميع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!