كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

اسئلة على بركات الطف الحسيني

- لماذا تبحث في عقل التاريخ؟
  لأدرك خطوات الغد؛ 
وهذه هي قوانين التنمية لمعرفة إمكانيات القوة والقدرة، وفاعلية الفكر واليقين. 
 
 ـ كيف تقرأ نهضة الحسين "عليه السلام"؟
   لا بد أولا أن نفهم معنى الدين 
   عند معشر وصفه سيد البلاغة أمير المؤمنين عليه السلام (كنتم على شر دين وشر دار)  
وحين بزغ الدين الإسلامي، وخاطب العقول بسم الله تعالى، صاروا يتسامون نحو السمو والتكامل الإنساني، لتصبح الشهادة في واقعة أحد أمنية، لانهم فهموا بفترة قصيرة معنى الخلود، حطموا بقوة إيمانهم عروش الطغاة، ويبقى للعقل حكمته.
ليس كل مسلم يقدر أن يحمل راية الإيمان، ومثلما الإنسان له جسم وروح، كذلك للدين ظاهر وواقع، والإيمان وعي... 
يرى (السيد علي الحسيني) في كتاب النهضة الحسينية، إن الإيمان حقيقة، والإسلام صورة،
 والنفاق سياسة الشياطين، لأنها عديمة القيمة.
 والقرآن صرح بوجود ثلاثة طوائف داخل المجتمع الإسلامي،
 المؤمنون... والمسلمون... والمنافقون
 فئات تصطدم فيما بينها.
أخطأ المؤرخون بالنظر بنظرة واحدة إلى التاريخ، هذا ما قبل كربلاء،
هناك من سعى لترسيخ الفطرة، ومن حارب تلك الفطرة بوحي الروح المغلقة والأفق الضيق،
وقفوا ضد النبي "صلى الله عليه واله وسلم"،
 بنو أمية ينظرون إلى الدين كدعاية إعلامية لرفعة بني هاشم.
 حركة الإصلاح تدمر المواقع الاجتماعية، والسياسية للطبقات العليا الفاسدة، الدين دين الفقراء والعبيد.
 معاوية وزياد بن أبيه وعمر بن العاص يعملون بروح واحدة لمحاربة الإمام علي "عليه السلام"
 وعبد الله بن زياد حارب بأمر يزيد الحسين بن علي "عليه السلام".
يحدثنا التاريخ عن وجود مشكلة، وعداء استحكم بين أمية وهاشم،
فحكم القضاء على أمية بالجرم ونفي إلى الشام، منها تفاقمت العداوة 
هناك تضادات على مسار التاريخ الإنساني بين (هابيل وقابيل) و (إبراهيم والنمرود) و (موسى وفرعون) و (محمد "صلى الله عليه وآله" وأبي سفيان) و (علي ومعاوية) (الحسين ويزيد)
بتجسيد الإرادة الإلهية، بتوظيف أدوات الواقع لصالح المؤمنين، ضرر المفسدين؛ 
القضية كلها قضية بني أمية معارضين للإسلام 
ويفعّلون الرواسب التاريخية لقوى الانحراف، عُقد مكبوتة في نفوسهم
 بمواجهة الحسين "عليه السلام"
لو سألكم أي باحث هل أسلم بنو أمية؟
 أم اضطروا للتسليم وقبول الإسلام؟ 
هل كان إسلامهم حقيقي؟ 
كان إسلاما سياسيا، تصريح معروف لأبي سفيان، حين تولى الأمر عثمان بن عفان، (تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة).
فهو الذي يحلف به أبو سفيان، ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا كتاب
ـ هل خدع بنو أمية النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بإسلامهم؟
قبل النبي بإسلامهم ومنحهم امتيازات، «ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ومنحهم واردات من بيت المال.
إن لهؤلاء إمكانات مؤثرة في المجتمع، وكثير من المسلمين لم يكتمل النضوج العقائدي عندهم، كانوا يحترمونهم، ويعتبروهم رجالا مرموقين، كانوا يترددون في قتالهم وينضمون إلى صفوفهم، 
وبعد ما اعلن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" اللعنة على بني أمية حتى بعد إسلامهم 
أدركوا أن مواجهة الإسلام خارج إمكانياتهم، لذلك أخذوا مصالحهم ومقاصدهم باسم الدين هذه المرة، لينفذوا إلى ضمير المسلمين، ويتوغلوا في أجهزة الحكم الإسلامي.
 كانت مسيرة أبي سفيان واضحة، يقول ابن أبي الحديد 
ـ إن جميع المحققين يعلمون أن كتابة معاوية لكتب النبي كانت تختصر بالقضايا اليومية ولا علاقة له بكتابة الوحي، صار يسمى كاتب الوحي.
وعند حكم السقيفة تقدم أبو سيفان إلى علي أمير المؤمنين "سلام الله عليه" 
يعرض خدماته، كان باستطاعته تغيير السلطة، لكنها تكون بقوة بني أمية، وهذه يرفضها أمير المؤمنين 
تظاهروا بالخير وكان موقف أبي سفيان باعتباره حرصا على الدين، ليصل الأمر إلى أن معاوية 
يوصي الإمام علي "عليه السلام" إني أحذرك (أن تحبط سابقتك بشق عصا الأمة وتفريق الجماعة، اتق الله واذكر موضع القيامة) معاوية يعلم أمير المؤمنين سيد الأوصياء على الدين،
وتمتد مثل هذه المهازل 
في كتاب معاوية للحسين عليه السلام، باعتبار مخالفة الحسين ولاية العهد ليزيد،
مخالفة للشرع الإسلامي.
يقول للحسين "عليه السلام" واتق الله 
ولا تردن هذه الأمة في فتنة، وانظر لدينك ولأمة محمد، وكأن خلافة يزيد لم تكن فتنة رفضها الكثير من المسلمين، وحتى ممن هم من مذهب معاوية، ليصل الدور إلى يزيد يخاطب زينب "عليها السلام" (إنما خرج من الدين أخوك وأبوك)
ويستشهد بآية من القران الكريم (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) 
تشابه عجيب بين الخطابات يبين عمق المؤامرة، توغلوا في الدين ظاهريا لدرجة النصح فيه، 
اصدر يزيد فتوى شرعية لخروج الإمام علي والإمام الحسين من الدين الإسلامي.
عمر بن الخطاب يحلل لابن عباس الأمور
(أما والله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنا خفناه على اثنين، حداثة سنه، وحب
ه لبني عبد المطلب)
هذه حدود فاجعة كربلاء، إنهم هيئوا الأرضية كجذر المشكلة، إن الخلفاء لم يعرفوا الإسلام الحقيقي، وجميع الخلفاء اعترفوا بمقدرة الإمام علي "عليه السلام" على تربية المجتمع،
والخلفاء أنفسهم حاربوا رجال الوعي (أبو ذر، وعمار، وحجر بن عدي) وغيرهم 
يقول الكاتب المصري عباس محمود العقاد
(بخلافة عثمان انتصر الأمويون، وعند مقتله انتفعوا بمناصبهم)
لنقرأ صفحة المغيرة...
 فهي من الصفحات المهمة في تجذير واقعة كربلاء،
 قال لعمر بن الخطاب
ـ اعطني ولاية الكوفة
فأجابه ـ أنت رجل فاسق.
قال له خذ كفايتي ورحلي لك، وفسقي على نفسي... فولاه الكوفة، واستلم الكوفة أيضا في زمن معاوية.
وحين قرر عزله، طرح على معاوية مشروع خلافة يزيد من أجل إعادته للأمارة،
فهو يقول عن نفسه
 (فتقت على أمة محمد فتقا لا يرتق أبدا) 
(لعن الله أمة أسّست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت)
*** 
هل تعد واقعة الطف ملحمة رثائية ؟
8طلقد كتب الكثيرون عن واقعة الطف عبر الأجيال، 
ولم يستطع هذا الكثير أن يقدم للعالم مأساة كربلاء، باعتبارها مصيبة عظمى، وملحمة رثائية 
جرى فيها قتل الأبرياء من الشباب والأطفال والرضع.
 وسحقت جثث الموتى بحوافر الخيل، ومنع الماء عن النساء والأطفال،
 أخذوهم بأعمال آبائهم، وأزواجهم، وتعذيب الأسرى، وإجبارهم على ركوب الجمال وهي خالية من سروجها.
يرى أهل الحكمة أن الأثر المترتب على هذه الأعمال، أكيداً لها من يمثلها كبطل من أبطال الجريمة.
إن أبطال الواقعة في هذه الزاوية هم (يزيد وابن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي جوشن وخولي وآخرون) 
أما الصفحة الأخرى من واقعة الطف، وهي الأكثر أهمية بطلها الحسين "عليه السلام"،
في هذه الصفحة ليس للجريمة مكانًا، ولا مكان المأساة، 
إنها صفحة الملاحم والفخر والنورانية، وتجلي الحقيقة والإنسانية وتقديس الحق، وعلى مسار التاريخ.
يتجلى مخاض البحث في المتعة والألم، والصيغ المعبرة عن المغزى التاريخي،
للتواصل الروحي مع الواقعة عبر الأزمنة.
علينا أن نقرأ جميع صفحات الواقعة، وألا نكتفي بصفحة واحدة.
لقد تصورت أجهزة السلطة الأموية بقتلها الحسين "عليه السلام" قد أجهزت عليه وأنهت وجوده وتأثيره، لكنها أدركت فيما بعد أن الحسين "عليه السلام" ميت ينافسها أكثر من ما هو حي، فقد أصبحت تربة الحسين "عليه السلام" كعبة العاشقين.
قالت مولاتنا زينب "سلام الله عليها" 
(فكد كيدك واسعي سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا)
إن اسم الحسين "عليه السلام" وتاريخه ومرثيته كانت أسلحة تعبوية، حتى قبره الشريف كان في حد ذاته يشكل مشكلة قائمة، لذلك قرروا هدمه ومحو آثاره، وتسوية الأرض التي دفن عليها، ثم رش الماء الكثير حتى لا يعرف أحدهم البقعة التي دفن فيها الحسين "عليه السلام"، 
لكن الذي حصل زاد توجه الناس، والتفاتهم نحو زيارة قبره "عليه سلام الله".
القضية الحسينية لها مدارات وأبعاد لا يمكن استيفاء جزئياتها الظاهرة لكتاب، أو تقيد ظاهرها بمضمون واحد،
 لأنها تتضمن قيما ودلالات لم تشهدها واقعة على مر الزمان، 
وخلود القيم والمعاني أعمق جذرا من خلود الوقائع والحوادث العسكرية، لأن القيم والمعاني لا يحدها الزمان والمكان.
لعاشوراء نبض خالد، وفطرة الحرية.
ما يجذب الناس إلى مرقد الحسين "عليه السلام" هي القيم السامية في الإخلاص والفداء والتضحية، هذا معيار القبول، حتى صار الناس يتحدون الجبابرة والسلاطين، ويصلون إلى كربلاء لزيارة الحسين "عليه السلام" رغم السيطرة التي نصبتها الحكومات.
عاشوراء جذب العالم إلى عوالم المصاب الحسيني، لكن علينا ألا نصل بهذا الحزن إلى الانكسارية، بل لا بد أن نمزجها بالحماس.
إن هذا الرثاء وهذه المصيبة يجب أن تخلد حقيقة، طالبنا بها رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم"
 لنرثي الحسين بطلا، وليس الرجل المسكين المستكين، 
علينا أن نبكي بطلا، نقيم مجالس التعزية، لننمي إحساس البطولة والشجاعة عند الناس، والعبرة تجاه الحق والحقيقة، ونقاتل باسم الحسين ضد الظلمة والظالمين. 
ورد في كتاب النهضة الحسينية، أن كتابا صدر لمؤلف مسيحي حاول مؤلفه مقارنة شخصية الحسين "سلام الله عليه" وعيسى بن مريم "عليه السلام" 
وهو يرى أن عمل المسيحيين أفضل من عمل الشيعة،
 وذلك أن المسيحيين يحتفلون بذكرى شهادة عيسى المسيح، ويفرحون بحلولها، بينما يستقبل الشيعة بالمصائب والبكاء. 
نجده يرجح عمل المسيحيين على عمل المسلمين، لان المسيحيين يرون في شهادة عيسى
 رمزا بالتوفيق والنجاح وليس الانكسار.
فتراهم يفرحون ويحتفلون بهذا النجاح، في حين أن المسلمين يرون في شهادة الحسين رمزا للحزن والانكسار. 
ويقول في كتابه سعدا لأمة ترى الشهادة رمزا للموفقية والنجاح، وتعسا لأمة ترى الشهادة ذلا وانكسارا وأمرا يحتاج إلى الرثاء والبكاء.
والجواب بسيط... إن عالم المسيحية هذا إنما يحتفل بالشهادة انطلاقا من العقيدة الخرافية التي تقول (إن عيسى قد قتل حتى يكفر عن ذنوب الأمة)،
ولما رأى أنها حق خفت أثقالها بناء على ذلك، فأنها ترى ضرورة الاحتفال بنجاتها وخلاصها وتحررها من محاسبة الضمير وتأنيب الذات.
 وهذه خرافة خرقاء، وأن هذا هو الفرق بين الإسلام والمسيحية المحرفة، الإسلام دين اجتماعي، بينما المسيحية دين لا يتعدى الشأن الأخلاقي.
من وجهه النظر الإسلامية، نعتبر شهادة الحسين بن علي "عليه السلام" نوعا من النجاح على الصعيد الفردي، فهل كانت الشهادة لشخص الحسين بن علي "عليه السلام" تعبيرا عن الفشل وعدم الموفقية؟
 إن كل مسلم يقول أنها رمزا للنجاح، والحسين نفسه يراها كذلك منذ اليوم الأول عندما استقبلها قائلا 
(خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف)
 ومن وجهة نظر كل إنسان ومن وجهة نظر الشهيد نفسه نعتبر الشهادة رمزا للموفقية، ولا يحتاج الأمر إلى الشهادة المسيحية في ذلك.
فقبل 1350 عاما مضى قال الإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام" وهو يستقبل الموت، «والله ما فاجأني من الموت وارد كرهته، ولا طالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد، وطالب وجد»
كان هذا من زاوية وجهة النظر الشخصيّة والفرديّة للحدث، لكنّ الإسلام له جانبه وبعده الآخر في رؤيته للحدث.
القضايا والأحداث المختلفة لا يراها الإسلام في سياق التحليل الفرديّ والشخصيّ فقط، بل إنّه يضعها أيضاً في سياق المطالعة الاجتماعيّة.
إنّ واقعة عاشوراء من الناحية الاجتماعيّة ومن زاوية العمل الجنائيّ الذي تمّ ارتكابه، تُعتبر مَظهَراً من مظاهر الانحطاط في المجتمع الإسلاميّ، ينبغي التذكير بها دائماً لكلّ أفراد الأمّة، حتّى لا يتمّ تَكرار مثل هذه الجرائم.
إنّها تشبه الحسرات والأنين التي تطلقها الأمّة باستمرار حتّى تقول: أحقّاً -نحن المسلمون- قد ارتكبنا مثل هذا الحادث؟!
ألا لعنة الله على من ارتكب مثل هذه الجريمة، وإنّه غير مسموح لنا تكرار مثلها بعد الآن!
ثمّ مضاف إلى ذلك، فإنّ مثل هذه المجالس التي نقيمها، نحن بحاجة إليها من أجل صقل الأحاسيس الإسلاميّة والإنسانيّة لدى شعوبنا، ولكن بالطبع بشرط أن ندرك ما نقوم به.
واليوم نحن بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى تصحيح شؤوننا الدينيّة، وإجراء الإصلاحات اللازمة عليها.
ومن الطبيعيّ أن المقصود في الإصلاح هو منهج تفكيرنا وطريقة تعاملنا وتعاطينا مع الشؤون الدينيّة، وليس الدين نفسه، فأخطاؤنا لا يمكن حسابها على الدين... والحسين هو مصباح الهدى وسفينة النجاة...
سلام الله عليك سيدي يا أبا عبد الله
 
والندم  الاموي على قتل الحسين  الا له وزن في التاريخ؟
يقول أحد المؤرخين 
(ما رأيت واقعة كواقعة الطف عض فيها المنتصر أنامله ندما).
لو أردنا أن نتأمل في هذه الجملة، هل ندمهم يعد فضيلة إنسانية ترفع عنهم الحساب،
 أو تخفف عنه العتاب؟ 
أم أن القضية تأخذ محورا آخرا، هو أن مقام أهل البيت "عليهم السلام"، وفداحة مصيبتهم، 
وآثارها السلبية على أعدائهم، قد فرض نفسه على أرض الواقع، حتى اضطر للاعتراض به أعدائهم، وأربك حساباتهم، وضيع عنهم أفق الانتصار المزعوم.
حتى وصل الأمر بأن مروان بن الحكم قد أظهر الشماتة بقتل الحسين "عليه السلام"
لنقرأ التاريخ كتب ابنه عبد الملك بن مروان بن الحكم إلى الحجاج عامله على الحجاز،
جنبني دماء آل بني أبي طالب، فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين نزع الله ملكهم، 
وهناك موقف آخر لرجل سياسة، هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، قد أدرك سوء الفعل السياسي والإنساني ضد الحسين "عليه السلام" والسعي لقتله، فإنه لم يستجب ليزيد حينما أراه أمره بقتل الإمام الحسين "عليه السلام"، أن لم يبايع وعاتب عليه مروان بن الحكم في ذلك
 فلم يعتبه، بل أصر على موقفه، وقد بادر يزيد فعزله عن ولاية المدينة، 
ولما عرف هذا الرجل بمسير الحسين "عليه السلام"، كتب إلى ابن زياد، (أما بعد،
فإن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء، فتهيج على نفسك وقومك في هذه الدنيا ما لا يسده شيء، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا قائمة)
وهذا يعني بالنسبة لمن يريد أن يتأمل في ثنايا الحدث، سيدرك أن خطر جريمة قتل الحسين (سلام الله عليه) كانت واضحة لديهم.
هناك من كان يدرك شدة بشاعة الجريمة وأثرها السلبي على السلطة الغاشمة، وعلى بني أمية عامة.
كثير من أمور الواقعة جهزوها بشكل إعلامي يعطي ملامح الحكمة لمعاوية، وهذا هو الإعلام الأموي من خلال العديد من الإيحاءات المعدة إعلاميا.
ففي رواية الطبري، إن معاوية قد نبه يزيد على عدم قتل الحسين "عليه السلام" لنتأمل في الجملة قال ليزيد 
(وأما الحسين فان أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه فان قدرت عليه فاصفح عنه فان له رحما ماسة وحقا عظيما)
حين نقرا هذه الفبركة الإعلامية برؤى متأملة، سنجد هناك اتهام خطير في المقطع يشير إلى أن حركة الحسين عليه السلام وثورته العظيمة هي أساسها أهل العراق، ودعوته إلى الخروج حتى يخرجوه. 
بمعنى أن النهضة الحسينية حركة سياسية انفعالية لا أكثر، وفي حقيقة الأمر أن نهضة الحسين غير متأثرة بدعوة ما.
لو لم تدعوه الكوفة هل كان يستجيب لحكم يزيد ويبايع؟
(ومثلي لا يبايع مثله) قالها قبل دعوة أهل العراق.
والمرتكز الثاني الذي يسعى إليه من وضع هذه الفبركة، بيّن أن معاوية كان حريصا على رابطة الدم مع أهل البيت (عليهم السلام)، وكأنه ليس هو الذي قتل الحسن (عليه السلام). 
أظهروا معاوية وكأنه الحكيم الذي يراعي حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي قاتل علي بن أبي طالب (سلام الله عليه)، وقاتل الإمام الحسن (عليه السلام) وأمر بلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) على منابر المسلمين.
وما يؤلمني حقا أن يأتي من علماء الأمة من ينشر هذه الفبركة على أنها جزء من التاريخ، ومثل هذا الموضوع يقودنا إلى مسالتين مهمتين في فكر سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) في كتابه (فاجعة الطف)
-  المسالة الأولى فيما جناه الدين من ثمرات فاجعة الطف، 
مثل هذا السؤال تم تفعيله سياسيا من قبل المؤسسات السلطوية، لتكون النهضة وكأنها طعن في ظهر الإسلام. 
وإنما أقرأ مثل هذا السؤال ما الذي حصل عليه الدين من نهضة الحسين (عليه السلام)؟
 الاختلاف في الرأي هو اختلاف في المعتقد، كيف ينظرون إلى الحسين (عليه السلام)؟
كيف ننظر نحن إليه، هل كان الحسين (عليه السلام) لا يعرف يزيد، وقسوة جوره، وما يمكن أن يقابل به من جيوش؟
علينا أن نقرأ الموقف الحسيني الصلب بعناية، أي أن ننظر إلى تضحيات الإمام الحسين سلام الله عليه، 
صبر عشرين عاما على مضض ولم يحرك ساكنا مع معاوية، مع إن معاوية نقض العهد، وتجاوز الحدود، وانتهك حرمة الإسلام، وحرمة الحسين وأهل بيته، وحرمة الدين، 
إلا أن مصلحة الدين الإسلامي فرضت عليه في كل ظرف الموقف المناسب له، مهما كلفه من متاعب ومصائب ومآس وفجائع،
نحن شيعة أهل البيت "عليه السلام" نقدس الإمام الحسين (عليه السلام) ونشيد بمواقفه في حفظ الدين، نشيد بإبائه العظيم، وشجاعته، وصبره، وصلابة موقفه، وتضحياته، نؤمن تماما بأن موقعه أو موقفه أو موقف أي إمام معصوم مواقف إرادة وإيمان، ليست كيفية ولا مزاجية ولا انفعالية، بل هي مواقف حكيمه بتسديد من الله عز وجل لخدمة القضية الكبرى، وقياسا بمقتضى الإمامة التي حملوها، قد نعرف حكمة كل عمل معصوم، وقد يخفى علينا في بعضها.
إننا نؤمن بأن النهضة الحسينية نهضة إلهية وهي بأمر الله سبحانه وتعالى، لا بد أن تكون في سبيل الدين، ومصلحة الدين، وهذا الأمر يناسب حجم النهضة، حجم التضحية، ومن يريد أن يدرس النهضة الحسينية عليه أن يبحث في حيثياتها بدقة، وألا يعتمد على النصوص الجاهزة، وليشخص أولا الخطر الذي دفعه عن الدين بنهضته المباركة وتضحياته الجسيمة.
لنقرأ معنى أن تكون الخلافة على نظام ولاية العهد، دون مراعاة أهلية الحاكم أو صلاحه،
فكانت قسوة السلطة من أجل استمرار هذا النهج الذي بقى عامرا إلى عصور قريبة،
وإذا كان الكثير من المسلمين استنكروا على معاوية في وقته عن فتح هذا الباب فإنهم قد سكتوا عمن بعده، وتعاملوا مع النظام الوراثي كأنه هو الصحيح.
كشفت النهضة واقع الأنظمة الحاكمة وسلطويتها وجرأتها على القتل، واستمر هذا النهج الدموي عند جميع الحكومات، وكشفت عن روح الفرقة التي زرعوها بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) 
والظلم السلطوي والطغيان، وانتهاك الحرمات العظام، 
وتدهور أوضاع الأمة، وقد أعطى زهير بن القين ملخص القضية بجملة واحدة (نحن وأنتم أخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وكنتم أمة).

النهضة-الحسينية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!