لم يعد العراق يقف على رصيف الانتظار فمع دخول الصراع الإقليمي في منعطف خطير، تحولت بلاد الرافدين إلى "ساحة مستباحة" تتقاطع فوقها الصواريخ وتجوب أجواءها المسيرات، في حربٍ يدفع العراقيون ثمنها من دمائهم وأمنهم، بينما الحكومة بدور "المتفرج القلق" أو "المندد الانتقائي".
ازدواجية المعايير.. سيادة تحت الطلب
إن ما يثير الغثيان في المشهد السياسي الحالي هو "السيادة بمعيارين". يخرج رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، في كل مناسبة ليكثف هجومه الإعلامي والسياسي ضد الفصائل المسلحة، مطالباً بضبط السلاح ومنع استهداف البعثات. لكن، أين هذه القوة وهذه "الغيرة السيادية" مما يحدث في إقليم كردستان؟
إن الدولة التي تعجز عن بسط سلطتها على أربيل، لا تملك الحق الأخلاقي في الحديث عن سيادة كاملة. فبينما تُدان الفصائل، تفتح أربيل أبوابها لنشاطات استخباراتية إسرائيلية وقواعد أمريكية مشبوهة، حوّلت الإقليم إلى مغناطيس للقصف الإيراني المستمر، ووضعت العراق كله في فوهة المدفع.
أربيل: ملاذ المطلوبين وبؤرة التآمر
لا يمكن القبول بمعادلة "نصف الدولة". الكل يعلم أن أربيل تحولت إلى محمية خارجة عن قانون بغداد، حيث تدار منها نشاطات أمنية وسياسية معادية للدولة، ويتحصن فيها مطلوبون للقضاء العراقي بعيداً عن يد العدالة.
السؤال الملح: هل السوداني رئيس لثماني عشرة محافظة، أم أن سلطته تقف عاجزة عند حدود "سيطرة سد الموصل"؟
الحقيقة المرة: إن الصمت عن الوجود الاستخباري الأجنبي في الشمال هو "خيانة للسيادة" لا تقل خطورة عن السلاح المنفلت في الوسط والجنوب.
السيادة لا تتجزأ.. والمداهنة خضوع
إن حماية هيبة الدولة لا تتحقق بالبيانات الإنشائية التي تستهدف طرفاً وتجامل آخر. السيادة الحقيقية تقتضي:
بسط السلطة الاتحادية الكاملة على كل شبر من الأراضي العراقية، بما فيها إقليم كردستان، دون قيد أو شرط.
تفكيك أي مكاتب أو نشاطات استخبارية أجنبية (إسرائيلية كانت أو غيرها) تعمل خارج إطار الدولة الرسمي.
إيقاف سياسة المداهنة السياسية التي تجعل من العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بسبب "ثقوب سوداء" في أمنه القومي داخل الشمال.
"إن الدولة التي تنتقي معاركها السيادية بناءً على التوازنات الحزبية الضيقة، هي دولة فاقدة للهيبة، وما يحدث اليوم ليس دفاعاً عن القانون، بل هو عجز مغلف بشعارات رنانة."
الخاتمة: كفى عبثاً
العراق ليس "صندوق بريد" لرسائل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وإن استمرار الحكومة في ملاحقة طرف وغض الطرف عن "بؤر التجسس والتمرد" في الإقليم سيؤدي بالبلاد إلى الهاوية. السيادة إما أن تكون للجميع وعلى الجميع، أو أننا نعيش في "أشباه دولة" تتقاسمها الأجندات.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!