رحلة البحث عن الدواء
في واقع مرير ومأساوي يعيشه العراقيون عند مراجعة المستشفيات الحكومية، التي باتت تفتقر إلى العديد من الأدوية المهمة، يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى شرائها من الصيدليات الخاصة خارج المستشفيات. ومن هنا تبدأ رحلة معاناة أخرى، تتمثل في البحث والتنقل لمسافات طويلة من صيدلية إلى أخرى، بحثًا عن الدواء المطلوب وبالسعر المناسب.
لقد أصبحت تسعيرة الأدوية واحدة من أبرز المشكلات التي يعاني منها المواطن، فضلًا عن المشكلات الأخرى التي يعاني منها قطاع الصحة في العراق، في ظل ارتفاع أسعار بعض الأدوية وتفاوتها من صيدلية إلى أخرى.
تفاوت الأسعار وضعف الالتزام
فبعض أصحاب الصيدليات الخاصة لا يلتزمون بالقوانين والتعليمات والتوصيات الصادرة عن وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، فيما يعقد بعضهم اتفاقات مع المذاخر الخاصة، لتُحدَّد الأسعار وفق آليات لا تخضع، في كثير من الأحيان، للرقابة والمتابعة المطلوبة.
ومهما تعددت التبريرات والأعذار، فإن النتيجة واحدة: المواطن هو من يدفع الثمن. فهناك أدوية خاصة بالأمراض المزمنة تُكلّف مبالغ كبيرة وتثقل كاهل الأسر العراقية، ولا سيما أدوية مرضى السرطان والثلاسيميا، فضلًا عن أدوية أمراض أخرى تتطلب علاجًا مستمرًا لا يستطيع كثير من المواطنين تحمّل تكاليفه.
حق المواطن في العلاج
ويبقى السؤال: لماذا لم تعمل الحكومة على توفير هذه الأدوية بشكل كافٍ في المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية، وهو حق يُفترض أن يكون متاحًا للمواطن؟
إن الفساد الذي طال مؤسسات الدولة وأرهق مفاصلها انعكس بصورة مباشرة على المواطن، ولا سيما الفقير الذي بالكاد يستطيع توفير قوته اليومي؛ فكيف له أن يتحمل أعباء علاج باهظ الثمن؟
ولو كانت هناك رقابة حقيقية وتطبيق صارم للقوانين، مع إلزام الشركات والمذاخر والصيدليات بوضع السعر الرسمي للدواء على غلافه أو عبوته، لما أُتيح المجال أمام التلاعب بالأسعار واستغلال حاجة المواطن إلى العلاج.
الفساد وضعف الرقابة
إن شبكات الفساد وضعف الرقابة من الأسباب التي أسهمت في استمرار هذه المشكلة، إلى جانب عدم تفعيل القوانين الرادعة التي تحد من جشع بعض ضعاف النفوس، الأمر الذي يستدعي تشديد الإجراءات بحق كل من يستغل حاجة المرضى لتحقيق أرباح غير مشروعة.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن، وتراجع فرص العمل والدخل، تزداد معاناة الأسر عندما تضطر إلى شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة. وقد يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاقتراض أو الاستدانة من أجل توفير علاج لمريض لا يحتمل الانتظار.
تسعيرة موحدة وعقوبات رادعة
إن معالجة هذه المشكلة تتطلب إجراءات حازمة وقوانين رادعة من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، تبدأ بتطبيق تسعيرة موحدة وواضحة للأدوية، وتشديد الرقابة على الصيدليات والمذاخر، وصولًا إلى سحب إجازة كل صيدلية أو مذخر يثبت عدم التزامه بالتسعيرة الرسمية.
كما ينبغي تشكيل فرق رقابية ميدانية متخصصة تضم صيادلة وموظفين مختصين، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية عند الحاجة، لتنفيذ جولات تفتيشية منتظمة، وإغلاق الصيدليات والمذاخر المخالفة، وإحالة أصحابها إلى القضاء وفق القانون.
ومن الضروري أيضًا تخصيص خطوط ساخنة وقنوات إلكترونية للشكاوى، تتيح للمواطن الإبلاغ عن حالات التلاعب بأسعار الأدوية، مع ضمان التعامل الجاد والسريع مع تلك البلاغات.
الدواء مسؤولية إنسانية
فدواء المريض ليس سلعة عادية يمكن التلاعب بسعرها، والمواطن الذي يقف أمام الصيدلية بحثًا عن علاج لا يملك ترف المساومة أو الانتظار.
ولذلك، فإن ضبط أسعار الأدوية وتوفيرها في المؤسسات الصحية الحكومية ليسا مجرد إجراء تنظيمي، بل مسؤولية إنسانية وصحية وأخلاقية، وحق لا ينبغي أن يتحول إلى عبء جديد على المواطن العراقي.
❖ كتابات في الميزان ❖
يسلط المقال الضوء على معاناة المواطن العراقي الناجمة عن نقص الأدوية في المؤسسات الحكومية وتفاوت أسعارها بين الصيدليات الخاصة. ويربط المشكلة بضعف الرقابة والفساد وعدم الالتزام بالتسعيرة الرسمية، ولا سيما في أدوية الأمراض المزمنة. كما يقترح إجراءات عملية تشمل توحيد الأسعار، وتكثيف التفتيش، وتشديد العقوبات، وفتح قنوات لتلقي شكاوى المواطنين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!