كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مشاكل التعليم متفاقمة والحلول غائبة

التعليم_العراق.jpg

لا بدّ من التوجّه الجاد نحو إصلاح الواقع التربوي إذا أردنا تنشئة أجيال علمية قادرة على قيادة حركة التطور والبناء، وتعزيز روح الإبداع والابتكار، والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة في مجالَي التعليم الحكومي والأهلي. فنجاح المسيرة التربوية والتعليمية يمثل مفتاحاً أساسياً لتطور البلد ورقيّه، الأمر الذي يتطلب وضع التعليم في مقدمة الأولويات الوطنية.

إلا أن واقع التربية والتعليم في العراق لا يبعث على الاطمئنان؛ فمشكلاته كثيرة ومتفاقمة، ولم تجد حتى الآن حلولاً عاجلة وفاعلة، ما انعكس سلباً على العملية التعليمية وأثار استياءً شعبياً واسعاً، نتيجة استمرار التراجع وغياب المعالجات الحكومية القادرة على إحداث تغيير ملموس.

فما زالت مدارس كثيرة تعاني نقصاً في الرحلات المدرسية المخصصة لجلوس الطلبة، فضلاً عن حاجة عدد كبير منها إلى الصيانة، ووجود أبنية متهالكة وآيلة للسقوط تنتظر إعادة التأهيل أو البناء. كما يعاني قطاع التعليم الحكومي نقصاً كبيراً في عدد المدارس، بالتزامن مع الزيادة المستمرة في أعداد الطلبة، الأمر الذي أضعف قدرة الأبنية المتاحة على استيعابهم، وأدى إلى اكتظاظ الصفوف واستمرار نظام الدوام المزدوج، بل الثلاثي في بعض المناطق.

وفي الوقت ذاته، توسّع التعليم الأهلي على حساب التعليم الحكومي، في ظل تراجع نسب النجاح في بعض المراحل الدراسية خلال السنوات الأخيرة، ما عزز الانطباع لدى شريحة من المواطنين بأن بعض المؤسسات التعليمية تحولت إلى مشاريع تجارية، باستثناء مؤسسات محدودة استطاعت تحقيق نتائج جيدة والمحافظة على المستوى العلمي المطلوب.

ويعاني القطاع التربوي أيضاً نقصاً في الملاكات التعليمية، ووجود شواغر في تخصصات أساسية مرتبطة بالمناهج الدراسية، الأمر الذي يدفع أعداداً متزايدة من الطلبة إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية مقابل مبالغ مالية مرتفعة تثقل كاهل أسرهم، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.

ولا يمكن النظر إلى انتشار الدروس الخصوصية بوصفه مشكلة منفصلة، بل هو إحدى النتائج المباشرة لاختلالات المنظومة التعليمية، إلى جانب صعوبة بعض المناهج بعد التعديلات المتعاقبة، وضعف البيئة المدرسية، وتسرب الطلبة في مراحل عمرية مختلفة، فضلاً عن مشكلات أخرى تطول قائمتها.

إن التقصير الواضح من الجهات المعنية، سواء في وزارة التربية أم الحكومات المحلية والمركزية، إلى جانب الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة، أسهما في إنتاج مشاريع متلكئة وبنى تحتية متهالكة ونظام تربوي يعاني التراجع، في ظل غياب التخطيط السليم لإدارة ملف حيوي بهذه الأهمية.

وتنتظر هذه المشكلات حلولاً سريعة وجادة من وزارة التربية والجهات الحكومية المعنية؛ فاستمرار المعالجة بالأساليب التقليدية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع. وما زلنا بحاجة إلى سياسات تعليمية واضحة، وخطط استراتيجية قابلة للتنفيذ، ودراسات مستقبلية قادرة على إنعاش الواقع التربوي، ومعالجة مكامن الخلل، والارتقاء بمستوى التعليم الحكومي والأهلي في العراق.

كما يتطلب الإصلاح الحقيقي تحديد المسؤوليات، ووضع جداول زمنية لإنجاز الأبنية المدرسية، وتأهيل الملاكات التعليمية، ومراجعة المناهج، وتعزيز الرقابة على المؤسسات الحكومية والأهلية، بما يضمن جودة التعليم وتحقيق العدالة في فرص التعلّم بين جميع الطلبة.

فالتعليم ليس ملفاً خدمياً ثانوياً يمكن تأجيله، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه نهضة المجتمع والدولة، وأي تأخير في إصلاحه يعني تأخيراً في بناء مستقبل الأجيال المقبلة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال يده على أزمة لا تقتصر على نقص المدارس والملاكات، بل تمتد إلى غياب الرؤية التي تتعامل مع التعليم بوصفه مشروعاً لبناء الدولة. فالأبنية المتهالكة والدروس الخصوصية وتسرب الطلبة ليست مشكلات منفصلة، وإنما نتائج لاختلال منظومة واحدة. ولا يبدأ الإصلاح الحقيقي بالوعود، بل بخطة معلنة تحدد الأولويات والمسؤوليات ومواعيد الإنجاز، وتعيد إلى المدرسة الحكومية مكانتها وثقة المجتمع بها.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!