
الشرق الأوسط مهد حضارات عريقة وأديان سماوية، وفيه نشأت بعض أقدم الثقافات التي عرفتها البشرية، وانطلقت منه إسهامات كبرى أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني.
وبسبب موقعه الاستراتيجي المتميز في قلب العالم، وإشرافه على ممرات مائية حيوية وبحار مترابطة، فضلاً عما يمتلكه من ثروات طبيعية هائلة وتنوع جغرافي ومناخي ومواقع دينية مقدسة، أصبح الشرق الأوسط عبر التاريخ محطَّ أطماع القوى الكبرى، وميداناً للتنافس والصراع.
وبعد أن أنهكته الحروب الاستعمارية المتتالية، وقُسّمت أراضيه ونُهبت خيراته وأُعيد رسم حدوده بما ينسجم مع مصالح القوى المتنفذة، ما زالت الأطماع الخارجية تتربص به، مستفيدةً من الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية.
يواجه الشرق الأوسط اليوم صراعات مركبة ومتداخلة، تتراوح بين المواجهات العسكرية المباشرة والحروب بالوكالة والتدخلات السياسية والاقتصادية. وقد أدت هذه الصراعات إلى انتشار الفقر والبطالة والجريمة، وتصاعد النزعات الطائفية والعنصرية والجهوية بين شعوب المنطقة، فضلاً عن سباق تسلح غير منضبط، وتزايد نفوذ القوى الخارجية في المنشآت والقطاعات الحيوية.
ومنذ أكثر من قرن، أدّت القوى الغربية الكبرى أدواراً محورية في تأجيج الصراعات في الشرق الأوسط، سواء من خلال الاحتلال المباشر، أم دعم الانقسامات، أم التدخل في شؤون الدول، أم تحويل المنطقة إلى سوق واسعة للأسلحة. وكانت الغاية في كثير من الأحيان إضعاف شعوب المنطقة وإدامة حاجتها إلى الحماية الخارجية، بما يتيح السيطرة على مصادر الطاقة والثروات والمواد الغذائية والمائية التي هي في الأصل ملك لشعوبها.
لقد كشفت الأحداث المتعاقبة أن كثيراً من الدول التي ترفع شعارات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان لا تتردد في التخلي عنها عندما تتعارض مع مصالحها السياسية والاقتصادية. كما أظهرت فضائح كبرى، من بينها قضية شبكة جيفري إبستين وما ارتبط بها من استغلال وانتهاكات مروعة بحق فتيات قاصرات، حجم التناقض الأخلاقي داخل بعض دوائر المال والنفوذ التي تقدم نفسها حاميةً للقانون والقيم الإنسانية.
ولا يمكن فصل هذه الازدواجية الأخلاقية عن ممارسات التدخل في شؤون الدول، وانتهاك سيادتها، وملاحقة الشخصيات المعارضة، وتنفيذ الاغتيالات والعمليات العسكرية خارج الأطر القانونية. وهي ممارسات تثير أسئلة جدية بشأن حقيقة النظام الدولي ومدى خضوعه للقانون والعدالة.
وتسيطر القوى الكبرى على جانب واسع من رؤوس الأموال والمنشآت الصناعية والاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة والتقنيات العسكرية المتطورة. وقد رأينا ما شهدته غزة وإيران وأفغانستان ولبنان والعراق من حروب واعتداءات وانتهاكات للقوانين الدولية والإنسانية، في ظل تجاهل واضح للقيم التي تتحدث عنها تلك القوى، مثل الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
لقد تحولت هذه الشعارات، في كثير من الأحيان، إلى أدوات تُستخدم انتقائياً؛ فتُرفع في وجه دولة، ويُتغاضى عنها عند التعامل مع دولة أخرى، وفقاً للمصالح والتحالفات. وسيسجل التاريخ الجرائم التي ارتُكبت بحق شعوب المنطقة، من قتل وتهجير وتجويع وحصار وتدمير للبنى التحتية، وهي جرائم يندى لها الجبين وتعجز الكلمات عن وصف فظاعتها.
لقد أصبحت العدالة والحقيقة غريبتين في عالم يتحدث بعض زعمائه بلغة التضليل والافتراء، من دون أن يخضعوا لمحاسبة حقيقية. وحتى الأمم المتحدة ومجلس الأمن فقدا جانباً كبيراً من هيبتهما وفاعليتهما، بسبب ازدواجية المعايير وهيمنة الدول الكبرى على القرار الدولي.
كما أن كثيراً من الدول التي توصف بأنها مستقلة لا تمتلك، في الواقع، سيادة كاملة على قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية، بعدما أصبحت مصالحها مرتبطة بإرادة القوى الخارجية. وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة القوى التي تمارس نفوذاً واسعاً على النظام الدولي، مستندةً إلى تفوقها العسكري والاقتصادي وتحالفاتها الممتدة.
ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الأنظمة والقوى المحلية من مسؤوليتها؛ فالاستبداد والفساد والانقسام الداخلي وغياب المشروع التنموي المستقل عوامل أسهمت في إضعاف المنطقة، وفتحت أبوابها أمام التدخل الخارجي. فالأطماع لا تنجح وحدها، بل تجد طريقها حين تضعف الدولة ويتفكك المجتمع وتُقدَّم المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية.
فماذا بقي لشعوب المنطقة أن تنتظر بعدما ذاقت ويلات المجازر، ورأت المدارس والمستشفيات تُستهدف، وحُرمت من الدواء والغذاء، وعانت الفقر والجوع والعطش والجهل والفساد والاستعباد؟
وهل يرضى الذين يبررون هذه السياسات أن تُمارَس المآسي نفسها بحق شعوبهم وأطفالهم؟
✦ كتابات في الميزان ✦
ينطلق المقال من الأهمية الحضارية والجغرافية للشرق الأوسط ليفسر تحوله إلى ساحة دائمة للصراع والتنافس الدولي. وتبرز قوته في كشف ازدواجية الخطاب الغربي بين شعارات حقوق الإنسان وممارسات القوة والهيمنة، غير أن اكتمال الصورة يقتضي عدم إغفال مسؤولية الأنظمة والقوى المحلية عن الفساد والانقسام وإضعاف السيادة. فالتحرر من التدخل الخارجي يبدأ أيضاً ببناء دولة عادلة وقوية من الداخل.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!