كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ضبابية أم وحل الحرب الأمريكية على إيران...؟

 يُقصد بـ «ضباب الحرب» ذلك التعتيم الذي يلفّ الفوضى السائدة في ساحات المعارك، وهو حالة من الشكّ والغموض تُواجه المقاتلين والقادة أثناء القتال. لكن ما يشهده الشرق والغرب اليوم—في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران منذ سبعة أشهر—يتجاوز هذا المفهوم؛ بل يمكن وصفه بـ «وحل الحرب». فقد تجاوز الأمر مجرد حجب الرؤية والمعلومات، فاختلطت الدبلوماسية المضلّلة، والإعلام الموجّه، والمناورات العسكرية الخادعة لإخفاء الحقيقة عن الجميع، وهو تعتيم يتعمّد الجانبان، الأمريكي والإيراني، ممارسته.

وتتجلى مظاهر ضبابية الحرب، بشكل عام، في عاملين رئيسيين:

أولاً: عدم معرفة العدو
حيث يجهل القادة العسكريون أعداد العدو، ومدى جاهزيته، ونقاط قوته وضعفه، ومواقفه الحقيقية. وقد أشار المحلل العسكري البروسي «كارل فون كلاوزفيتز» في كتابه الشهير عن الحرب، الصادر عام 1832، إلى أن: «غالبية العوامل في الحرب يكتنفها الغموض، وتتطلب ذكاءً حاداً وحكماً دقيقاً لاستكشاف الحقيقة».

ثانياً: ضعف الاتصالات أو انقطاعها
فإن ضعف التواصل أو انقطاعه يؤدي إلى خلل بين القادة والجنود، واضطراب في تنفيذ الأوامر؛ لذا تعتمد الجيوش الحديثة على التكنولوجيا المتطورة، وأنظمة القيادة والسيطرة، وأجهزة الاستخبارات المتقدمة لتجاوز هذا العائق.

وفي المشهد الحالي، يبدو الغموض والتضليل جزءاً أصيلاً من فكر دونالد ترامب منذ سبعينيات القرن الماضي؛ إذ يرى في التضليل «فنّاً» لتحقيق الصفقات الناجحة، طامحاً إلى بلوغ أهداف كبرى بأقل كلفة ممكنة. ويتجلى ذلك بوضوح في تصريحاته وتصريحاته اليومية؛ ومن أحدثها قوله إن «إيران تسعى بشدة لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة»، ملمّحاً إلى رغبة بلاده في البقاء في المنطقة و«الاحتفاظ بالنفط على غرار ما حدث في فنزويلا».

لكن هذا النهج أوقع ترامب في الفخ نفسه الذي وقع فيه هتلر حين اتخذ قراراً منفرداً بشنّ الحرب على روسيا، وقال لحلفائه: «اتبعوني»، فما كان منهم إلا أن تخلّوا عنه، وهُزم هزيمة ساحقة. واليوم، يتخلى حلف الناتو عن ترامب لعدم استشارتهم في قرار الحرب ضد إيران. لقد قامت خطته على توجيه ضربات جوية لإيران، بالتزامن مع تحرك المعارضة الإيرانية على الأرض للإطاحة بالنظام، غير أن خطته باءت بالفشل، وأقرّ بذلك كبار القادة العسكريين ذوي الخبرة، بل واعترف ترامب نفسه بتدمير قوّاته وتلقيها ضربات موجعة في الشرق الأوسط.

ونظراً لعجزه عن إيجاد مخرج يحفظ له ماء وجهه أمام العالم، لجأ ترامب إلى فرض الحصار الاقتصادي. ورغم أن الولايات المتحدة سعت مسبقاً لإخراج القوات الإيرانية من سوريا، وضرب حزب الله في لبنان، وإضعاف حركة الحوثيين في اليمن—تمهيداً لمواجهة مباشرة—إلا أن صمود إيران وفاعلية قوتها فاجأت الجميع، فغرق ترامب وجنوده في الوحل، وما زال يبحث عن طريق للخروج.

ختاماً، لقد دخلت الحرب الأمريكية على إيران منعطفاً استراتيجياً بالغ الحساسية للإدارة الأمريكية، اتسم بتحول لافت في لغة البيت الأبيض. فبعد أشهر من الحديث عن «نصر حاسم وسريع»، أصبحت التصريحات تتحدث عن فترات زمنية مفتوحة ومواعيد مؤجلة، في ظل واقع ميداني وإقليمي معقّد، حيث تقترب العمليات العسكرية من إكمال شهرها السابع دون تحقيق أيّ «حسم عسكري» وعد به ترامب.

ايران_امريكا.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!