المذكرة الأولى: لجنة المنشآت الصحية
من أكبر المشكلات التي كانت تعاني منها مدينة كربلاء في زمن طغاة البعث قلة المنشآت الصحية. وكانت بعض هذه المنشآت موجودة، إلا أنها تُدار عبر هيئة من المتبرعين، لتمكين العتبات المقدسة من التعامل مع الدوائر الرسمية التي عانت منها كثيراً خلال تلك المرحلة المظلمة من تاريخ العراق.
وبعد تشكيل اللجنة العليا لإدارة العتبات المقدسة، شُكِّلت بصورة رسمية لجنة حملت اسم «لجنة المنشآت الصحية»، وعُيّن الحاج محمد أبو دكة مسؤولاً عنها، وضمت في عضويتها كلاً من السيد حسن يحيى الصباغ، والحاج كريم الأنباري، والحاج طه الأنباري، والحاج زهير عبد الكريم.
تركّز نشاط اللجنة على توفير المياه وتهيئة المجاميع الصحية وصيانتها وتنظيفها، سواء الموجودة منها حول العتبتين المقدستين أم المنتشرة في أماكن متعددة من مدينة كربلاء، ومن أبرزها:
أولاً: المجموعة الصحية الملحقة بالحسينية الطهرانية، وتضم قسماً للرجال وآخر للنساء.
ثانياً: المجموعة الصحية في عكد السادة، وتتكون من ثلاثة طوابق، وفيها أقسام مخصصة للرجال وأخرى للنساء.
ثالثاً: المجموعة الصحية في عكد العطارين، وتضم قسماً للرجال وآخر للنساء.
رابعاً: المجموعة الصحية المعروفة باسم «المجزرة»، وتتكون من طابقين؛ العلوي للرجال والسفلي للنساء.
خامساً: المجموعة الصحية في حي البلدية، فضلاً عن استمرار العمل على إعادة تصميم المجموعة الصحية الواقعة في سوق النعلجية، لإنشاء مرفق صحي حديث ومتكامل للرجال والنساء.
وكانت هناك أيضاً مجاميع صحية متنقلة، وهي عبارة عن مقطورات تضم الواحدة منها ثمانية وثلاثين مرفقاً صحياً، وقد صُممت بطريقة حديثة تراعي سهولة الاستخدام والنظافة والحد من الروائح المزعجة. وكانت تُستخدم خلال الزيارات والمناسبات الدينية التي تشهد توافد أعداد كبيرة من الزائرين إلى كربلاء المقدسة.
ولكون هذه الوحدات مصنّعة محلياً، فقد جرى تجهيز ثلاث مقطورات كبيرة ونحو خمس حاويات صغيرة خُصصت للنساء. كما توفرت ثلاث سيارات حوضية «صهاريج» لنقل المياه عند انقطاعها بصورة مفاجئة عن المنشآت الصحية.
وكانت لهذه السيارات استخدامات أخرى، من بينها نقل المياه مجاناً إلى العائلات الفقيرة. كما أُنشئ مشروع خدمي كبير عند باب قبلة الإمام الحسين (عليه السلام)، وشُكّلت لجنة مشتركة لإدارته، وكان يُعدّ آنذاك مشروعاً جديداً على مستوى العراق.
المذكرة الثانية: شعبة الحسابات وإدارة الإيرادات
يقودنا الحديث عن تشكيل شعبة الحسابات إلى موضوع الإيرادات، ومن أبرز مفاصله آلية فتح الشباك الشريف. فقد شُكّلت الشعبة في بداية تسلّم إدارة العتبة المقدسة، وأخذت على عاتقها تطبيق النظام المحاسبي الموحد وفتح السجلات وفق السياقات المعمول بها في الدوائر الرسمية.
أما قضية الإيرادات، فقد خُصصت لها لجنة لتحريك الحسابات تتألف من ثلاثة أعضاء: المشرف، والمعاون الإداري، ومدير الإدارة.
وعندما يحين موعد فتح الشباك الشريف، تتولى المهمة لجنة من أعضاء مجلس الإدارة، ينضم إليها رؤساء اللجان في العتبة المقدسة، وقاضٍ من محكمة كربلاء، وضابط من مديرية شرطة كربلاء، ومديرو المصارف التي تتعامل معها العتبة، فضلاً عن عدد من الشخصيات ووجهاء المدينة.
تُفرز العملات بعد فتح الشباك الشريف، ثم تُعدّ وتُحصى، وتُنظم تفاصيلها في سجل يوقّع عليه جميع أعضاء اللجنة المشاركين في العملية. وبعد ذلك تُودع المبالغ في مصرف الرافدين، ضمن حساب يحمل اسم العتبة العباسية المقدسة.
وعند الحاجة إلى الأموال لتمشية الأعمال، أو دفع رواتب المنتسبين، أو تمويل مشاريع العتبة والمضيف، أو تغطية المصروفات المتعلقة بخدمة الزائرين، يُعدّ كشف تقديري بالمبلغ المطلوب، ثم يُنظم الصك ويُسحب من المصرف بعد استحصال موافقة صاحبي السماحة في مجلس إدارة العتبات المقدسة، السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي، بموجب طلب تحريري يُرفع إلى الإدارة، تُبيّن فيه طبيعة الحاجة وأوجه الصرف.
في البداية، كان العمل يُدار من قبل شخص واحد هو مسؤول الشعبة السيد فاضل العميدي، وكانت السجلات والقوائم تُنظم يدوياً؛ لأن الشعبة لم تكن تمتلك جهاز حاسوب في ذلك الوقت. ومع مرور الزمن واتساع حجم العمل، برزت الحاجة إلى زيادة عدد الموظفين، فتحول العدد من موظف واحد إلى أربعة موظفين، ودخل نظام الحاسوب إلى العمل المحاسبي، مع تفعيل الرقابة والتدقيق.
وكان للعتبة مدقق لحساباتها، وهو مدير مصرف من أهل الاختصاص، مشهود له بالنزاهة والدقة والإخلاص.
كما كانت للعتبة لجنة مشتريات تتكون من خمسة أشخاص، ويُستبدل أعضاؤها دورياً كل شهرين. وتتولى هذه اللجنة تنفيذ الطلبات المحالة إليها من الجهات المعنية، بعد استحصال الموافقات اللازمة من المخولين بالصرف وفق الضوابط المعتمدة.
وتقوم اللجنة بجلب عروض الأسعار المقدمة من أصحاب المحال التجارية والمعامل، ودراستها وفق نوع المواد المطلوب شراؤها، ثم تنفذ عملية الشراء بحسب السياقات المعمول بها. وإلى جانب اللجنة الرئيسة، كانت هناك لجنة فرعية تختص بمشتريات المضيف، ولجنة للمشاريع الهندسية تتكون من أصحاب الاختصاص.
ومن القضايا المهمة أيضاً قضية العملات الأجنبية وتحويلها إلى الدينار العراقي. وكان ذلك يجري عن طريق مزايدة علنية يُعلن عنها في سوق تصريف العملات «البورصة»، وتشمل العملات العربية والأجنبية المتداولة.
ويحضر أصحاب محال الصيرفة، إلى جانب لجنة التصريف التابعة للعتبة، التي تتكون من أربعة أشخاص يمتلكون معرفة بأسعار الصرف. وتُجرى مزايدة علنية ترسو على أعلى سعر معروض، مع احتفاظ العتبة بحق رفض السعر وإيقاف عملية التصريف. كما كانت للعتبة اتصالات ببورصة بغداد وجهات أخرى لمعرفة أسعار العملات ومتابعة تغيراتها.
أما الذهب الذي يُجمع من داخل الضريح الشريف، فكان يُوزن ويُسلّم بمستندات أصولية إلى لجنة تصفية الذهب، المؤلفة من فنيين متخصصين في صياغته، يعملون في قسم الصياغة ومعروفين بالثقة والخبرة.
وتُجرى عملية تصفية الذهب بحضور اللجنة المختصة، ثم يُوزن ويُسلّم إلى الفنيين لتحويله إلى الشكل المطلوب عن طريق الطرق والصياغة. أما الذهب الزائد على الحاجة، فيُعاد وفق الضوابط المعتمدة ليُستخدم في أعمال أخرى تخص الضريح الشريف.
وتشمل أوجه الصرف رواتب العاملين، والمشاريع العمرانية الخاصة بالعتبة، وإطعام الزائرين في المضيف، والخدمات المقدمة في منطقة ما بين الحرمين من تنظيف وحراسة وأعمال أخرى.
كما تشمل شراء الأفرشة والأغطية والخيام اللازمة للزيارات الشعبانية وزيارات شهري محرم وصفر، فضلاً عن شراء الأدوية والمستلزمات الطبية التي يحتاج إليها الزائرون، وتوزيعها عن طريق المفرزة الطبية التابعة للعتبة العباسية المقدسة والمفارز المنتشرة على الطرق خلال الزيارات المخصوصة.
المذكرة الثالثة: لجنة أبي الفضل العباس ومضيف الزائرين
بناءً على توجيه مجلس إدارة العتبات المقدسة في كربلاء، شُكّلت لجنة أبي الفضل العباس (عليه السلام) بتاريخ 15 شباط 2004، وكان من أهم واجباتها تهيئة الطعام للزائرين، ولا سيما في المناسبات الدينية وليالي الجمعة، بمعدل يقارب ثلاثة آلاف زائر في كل ليلة جمعة.
ولعدم وجود قاعات مهيأة لاستقبال الزائرين في ذلك الوقت، كان الطعام يُوزع على هيئة وجبات جاهزة «سفري» عند المضيف. ومن المعروف لدى الزائرين أن للقمة مضيف أبي الفضل العباس (عليه السلام) مكانة خاصة وكرامات كثيرة في نفوس المؤمنين.
وكان القائمون على المضيف يحرصون على تنويع الوجبات ومراعاة احتياجات الزائرين، بحسب ما يرد إلى لجنة النذور والهدايا من مواد غذائية ولحوم يقدمها الزائرون والمتبرعون. وتتولى اللجنة بدورها تحويل هذه المواد إلى المضيف، أما بقية الاحتياجات فكانت تُشترى من أموال العتبة المقدسة.
وافتُتح المضيف لاستقبال الزائرين بالتزامن مع ذكرى ولادة قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام). وكانت لجنة المشاريع قد باشرت أعمال تأهيل مضيف أبي الفضل العباس بتاريخ 5 كانون الثاني 2004، وشملت الأعمال إعداد المكان وتجهيزه بما يناسب استقبال زوار مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وتقديم الطعام والخدمات لهم.
✦ قراءة كتابات في الميزان ✦
توثق هذه الحلقة جانباً مهماً من البدايات الخدمية والإدارية للعتبة العباسية المقدسة بعد عام 2003، حين بدأت الأعمال بإمكانات محدودة وجهود يدوية وتطوعية. وتكشف التفاصيل أن خدمة الزائر لم تقتصر على الطعام والمرافق الصحية، بل رافقها بناء نظام مالي ورقابي ينظم الإيرادات والمشتريات وأوجه الإنفاق. إنها شهادة من داخل التجربة على انتقال العمل من المبادرات البسيطة إلى المؤسسة المنظمة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!