كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فاتورة 11 أيلول

يوم صمت فيه العالم

بعد مرور ربع قرن على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، يبدو واضحًا أن فاتورتها كانت باهظة علينا نحن العرب والمسلمين، وربما أكثر من الفاتورة التي دفعتها أمريكا في ذلك اليوم الذي صمت فيه العالم مذهولًا، وهو يرى الكبرياء الأمريكي ينهار في لحظات.

كانت تلك الهجمات الإرهابية بداية حرب جديدة في العالم، عنوانها «الحرب على الإرهاب». وحاولت أمريكا من خلالها استعادة ماء الوجه والكبرياء اللذين أصابهما ذلك اليوم الدموي. ورفعت شعارًا صار عنوانًا لتلك المرحلة: «إن لم تكن معي فأنت ضدي». وطالت هذه الحرب دولًا عدة، كان العراق واحدًا من أكثرها اكتواءً بنار الإرهاب.

فاتورة الفعل ورد الفعل

الهجمات كفعل، والحرب الأمريكية على الإرهاب كرد فعل، كلاهما وضع أمامنا فاتورة ثقيلة دفعنا ثمنها نحن. لم تنجح أمريكا في القضاء على الإرهاب، وإن نجحت في قتل أسامة بن لادن وإبعاد شبح الهجمات عن أراضيها. لكنها تعاملت مع القاعدة بوصفها تنظيمًا مسلحًا، أكثر مما تعاملت مع الفكر الذي أنتج هذا التنظيم ومهّد لظهوره.

ولهذا، فإن الحرب على التنظيمات الإرهابية وحدها لم تكن كافية؛ إذ سرعان ما ظهرت أجيال جديدة من التنظيمات التي حملت أفكار القاعدة، وانتشرت في مناطق عديدة، ولا سيما في عالمنا العربي والإسلامي.

نتائج امتدت إلى مدننا

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كانت هجمات سبتمبر تستهدف أمريكا في المكان، لكن نتائجها امتدت إلى ساحاتنا ومدننا العربية والإسلامية. وكانت نتائج كارثية بكل معنى الكلمة؛ فقد ساهم الإرهاب في تشويه صورة المسلمين بصورة عامة، وفتح الباب أمام تدخل عسكري أمريكي على آلاف الكيلومترات من أراضيها، تحت عنوان الدفاع عن أمنها القومي، بينما انتهى الأمر، في حالات عدة، إلى إضعاف أمننا الوطني، وتدمير مؤسسات دول، وتعميق الانقسامات والصراعات الداخلية.

والسبب المباشر الذي استُخدم لتبرير كل ذلك كان تطرف القاعدة وهمجيتها، لكن النتائج تجاوزت التنظيم نفسه لتطال مجتمعات بأكملها.

قراءة مختلفة بعد ربع قرن

بعد خمسة وعشرين عامًا، نحن بحاجة إلى إعادة قراءة أحداث سبتمبر قراءة مختلفة؛ قراءة لا تتوقف عند الطائرات التي اصطدمت بالأبراج، ولا عند الحرب التي أعقبتها، وإنما تبحث في جذور الفكر الذي أنتج الإرهاب، وفي البيئة التي سمحت له بالنمو والتمدد.

فالإرهاب لا يُهزم عسكريًا وحده. يمكن قتل قادته وتفكيك تنظيماته، لكن الأفكار المتطرفة، إذا بقيت حية، فإنها قادرة على إنتاج تنظيمات جديدة بأسماء مختلفة. وهذا ما حدث بالفعل، حين ظهرت جماعات أكثر تطرفًا، ووجدت من يوفر لها المال والسلاح والدعاية، ومن يمنحها غطاءً فكريًا وفتاوى تبرر أفعالها.

العراق دفع الثمن الأكبر

نحن في العراق دفعنا الثمن الأكبر من هذه الفاتورة. ولذلك، ونحن نستعيد ذاكرة سبتمبر، ينبغي أن نكون أكثر الشعوب حرصًا على نبذ التطرف واجتثاثه من مجتمعنا، خصوصًا أن الإرهاب الذي ضرب مدننا لم يميز بين طائفة وأخرى، ولا بين دين ومذهب، ولا بين غني وفقير.

كان هدفه دائمًا واحدًا: الفوضى والدمار وتعطيل الحياة.

التطرف ما زال قادرًا على العودة

ولهذا، علينا أن نقرأ الواقع الإقليمي من حولنا بوعي أكبر. فما زالت بوادر التطرف موجودة، وما زالت الأفكار التي أنتجت الإرهاب قادرة على الظهور بأشكال جديدة. وهذه ليست مجرد هواجس أو مخاوف؛ فكلما بقي الفكر المتطرف حيًا، بقي الإرهاب قابلًا للعودة، حتى وإن تغيرت التنظيمات والأسماء والشعارات.

الدرس الأهم: منع التكرار

لقد دفعنا فاتورة سبتمبر بما يكفي.

والدرس الأهم بعد ربع قرن ليس أن نتذكر ما حدث فقط، بل أن نمنع تكراره.

نحن لا نريد سبتمبر آخر... لأن فاتورته هذه المرة قد تكون أكبر مما نستطيع تحمله.

❖ كتابات في الميزان ❖  

يعيد المقال قراءة أحداث 11 سبتمبر من زاوية انعكاساتها الثقيلة على العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما العراق. ويميّز بين استهداف التنظيمات الإرهابية عسكريًا ومواجهة الفكر والبيئة اللذين يعيدان إنتاجها. كما يحذر من استمرار جذور التطرف، مؤكدًا أن الدرس الأهم بعد ربع قرن هو منع تكرار المأساة، لا الاكتفاء باستذكارها.

برج_التجارة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!