كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ماذا بقي من الجامعة العربية؟

 منذ ليلة غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990، يطاردنا السؤال نفسه بعد كل أزمة عربية: ما فائدة جامعة الدول العربية؟

يومها عجزت الجامعة عن منع الغزو أو احتوائه. لم تستطع أن تكون وسيطًا فاعلًا، وانتهى الأمر إلى تدويل الأزمة وإحالتها إلى مجلس الأمن. لم يكن ذلك مجرد عجز عابر، بل كان إنذارًا مبكرًا بأن المنظمة تحمل في بنيتها أسباب شللها.

وما نراه اليوم في غزة ليس استثناءً، بل فصل جديد من القصة نفسها.

قمتان عربيتان إسلاميتان خلال عام واحد، وقمة عربية في بغداد. قاعات مكتظة، وميكروفونات كثيرة، وبيانات طويلة، والنتيجة واحدة: شجب وتنديد واستنكار، ثم ينتهي كل شيء تقريبًا بعبارة غير مكتوبة: «اللهم، إني نددت فاشهد».

لا آلية عربية قادرة على وقف الحرب، ولا قرار جماعي ملزم، ولا أدوات ضغط حقيقية، ولا موقف تفاوضي عربي موحد.

الحقيقة أن الجامعة لم تمت قانونيًا. ما زالت لها أمانتها العامة في القاهرة، وموظفوها، ومؤسساتها، وقممها واجتماعاتها الدورية. لكنها ماتت وظيفيًا.

وسبب ذلك ليس المؤامرة الخارجية وحدها، بل طبيعة النظام العربي نفسه، وطريقة بناء الجامعة منذ تأسيسها.

أولًا: فخ الإجماع

كلما تعلق الأمر بالقضايا المصيرية، اصطدمت الجامعة بالخلافات بين الدول الأعضاء. وحتى عندما تتخذ قرارات، فإن تنفيذها يظل رهينًا بإرادة الدول نفسها.

وهنا تكمن المشكلة: كيف يمكن لمنظمة إقليمية أن تتعامل بحزم مع أزمة يكون أحد أطرافها دولةً عضوًا، بينما لا تملك فوق الدول سلطة تنفيذية حقيقية؟

النتيجة أن الجامعة تبحث غالبًا عن الحد الأدنى الذي يمكن للجميع قبوله، فيخرج القرار قويًا في اللغة، ضعيفًا في الفعل.

ثانيًا: قدسية السيادة

ميثاق الجامعة يقوم على احترام سيادة الدول الأعضاء وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهذه قاعدة مفهومة في العلاقات الدولية، لكنها تصبح مشكلة عندما تريد المنظمة أن تتحول من إطار للتنسيق إلى مؤسسة قادرة على اتخاذ قرارات جماعية وتنفيذها.

فالجامعة لا تملك جيشًا عربيًا موحدًا، ولا محكمة إقليمية ذات ولاية ملزمة على أعضائها، ولا جهازًا قادرًا على فرض عقوبات جماعية بصورة مستقلة.

هي ليست كيانًا فوق وطنيًا مثل الاتحاد الأوروبي، بل إطار يجمع دولًا ذات سيادات كاملة.

وعندما انقسم العرب أنفسهم في ملفات اليمن وسوريا وليبيا وغيرها، كان من الطبيعي أن تنتقل هذه الانقسامات إلى داخل الجامعة، فتتحول المنظمة من أداة لحل الخلافات إلى مرآة تعكسها.

إذا كانت الجامعة بهذا القدر من العجز، فلماذا نحتفظ بها؟

لأن بقاءها لا يكلف كثيرًا، بينما إلغاءها يخلق فراغًا سياسيًا ورمزيًا لا تملك الدول العربية بديلًا جاهزًا لملئه.

الجامعة تمنح الدول إطارًا دبلوماسيًا جاهزًا، وتوفر غطاءً شرعيًا تحت عنوان «الموقف العربي»، وتسمح للحكومات بإظهار قدر من التضامن من دون أن تضطر إلى التنازل عن الكثير من سيادتها أو مصالحها.

أما إصلاحها الحقيقي، فيحتاج إلى قرارات أكثر صعوبة: تطوير آليات التصويت، وإيجاد قرارات قابلة للتنفيذ، وبناء مؤسسات اقتصادية وأمنية عربية مشتركة، وربما الوصول يومًا إلى قدر من التكامل يشبه ما عرفته تجارب إقليمية أخرى.

وهذا هو الجزء الذي لا تريده معظم الدول الأعضاء؛ لأن أي انتقال من التنسيق بين الحكومات إلى العمل العربي المشترك الحقيقي يعني بالضرورة تقييد جزء من حرية القرار الوطني.

وهكذا تحولت «الجامعة العربية» تدريجيًا من مشروع يحمل فكرة قومية جامعة إلى «جامعة دول» لا تستطيع أن تتجاوز الحد الأدنى الذي تسمح به الحكومات.

لم تنته الجامعة بقرار حل، ولم تختفِ من الخريطة.

لكنها فقدت شيئًا أخطر: وظيفتها.

فالمنظمة الإقليمية التي تتحول إلى قارئ للبيانات، ومصدر للقلق الدبلوماسي، وموعد دوري للقمم، تصبح مع الوقت مؤسسة تعيش على اسمها أكثر مما تعيش على قدرتها على الفعل.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل انتهت الجامعة العربية؟

السؤال الأصعب هو:

ماذا سيأتي بعدها؟

❖ كتابات في الميزان ❖

يقدّم المقال قراءة نقدية واضحة لأزمة الجامعة العربية، ويردّ عجزها إلى بنيتها القائمة على الإجماع وقدسية سيادة الدول، لا إلى الضغوط الخارجية وحدها. ويصيب الكاتب في التفريق بين بقاء الجامعة بوصفها مؤسسة قانونية وموتها بوصفها أداة فاعلة. أما السؤال الختامي، فينقل النقاش من توصيف الفشل إلى التفكير في البديل ومستقبل العمل العربي المشترك.

الجامعة_العربية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!