كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الانتخابات النصفية وثمن الحرب

 في الثالث من تشرين الثاني المقبل، يتوجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات نصفية قد تتحول إلى استفتاء غير مباشر على ولاية دونالد ترامب الثانية.

هذه المرة، لا يدخل الناخب قاعة التصويت وهو يحمل شعارات أيديولوجية فقط، بل يحمل أيضاً فاتورة اقتصادية ثقيلة.

فقد كشف مكتب الميزانية في الكونغرس CBO في تقريره الصادر يوم 15 أيلول الجاري، أن الحرب الأمريكية على إيران كلفت وزارة الدفاع نحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب الماضي، معظمها لتعويض الذخائر والمعدات المستنزفة، إضافة إلى تكاليف العمليات والطيران والوقود. ويحذر التقرير من أن الكلفة ستواصل الارتفاع مع استمرار الحرب، بما يقارب ملياري دولار شهرياً في حال بقيت العمليات عند مستويات منخفضة، وقد تصل إلى ثلاثة مليارات إذا تصاعدت حدتها.

وتأتي هذه الكلفة في وقت تجاوز فيه الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، بينما يواجه الاقتصاد ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة الملاحة في المنطقة.

والانعكاس على حياة المواطن لم يعد مجرد رقم في تقارير وزارة الدفاع. فالهجمات المتبادلة واضطراب حركة النفط عبر مضيق هرمز أديا إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس سريعاً على أسعار البنزين والوقود والنقل والسلع.

وهنا يتغير مزاج الناخب.

لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين: هل كانت مواجهة إيران ضرورية؟ بل أصبح: كم ستكلفنا هذه الحرب، ومتى تنتهي؟

والأخطر بالنسبة إلى إدارة ترامب أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، وإنما بنتائجها الاقتصادية أيضاً. فكل ارتفاع في سعر الوقود يتحول إلى تذكير يومي بالحرب، وكل مليار دولار إضافي في الإنفاق العسكري يصبح جزءاً من النقاش حول الاقتصاد والدين العام.

حتى ملف الحرب نفسه لم يعد يحظى بالتأييد الشعبي الذي تحتاجه الإدارة. وفي أحدث استطلاع لـReuters/Ipsos، تراجعت شعبية ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى في مسيرته السياسية، بينما لم تتجاوز نسبة المؤيدين لطريقة إدارته للضربات على إيران 34%. كما تقدم الديمقراطيون بثماني نقاط على الجمهوريين في تفضيلات الناخبين لانتخابات الكونغرس.

سياسياً، المشهد على حافة سكين. الجمهوريون يملكون أغلبية ضيقة في مجلس النواب، فيما تبدو المنافسة على المجلسين مفتوحة. وقد أظهرت استطلاعات أيلول تقدماً واضحاً للديمقراطيين في سؤال السيطرة على مجلس النواب، وهو ما يجعل كل مقعد في الدوائر المتأرجحة مهماً.

وهنا تظهر مشكلة ترامب الحقيقية: الناخب الأمريكي لا يصوت عادةً على السياسة الخارجية وحدها، بل يصوت على ما يشعر به في جيبه.

قد يستطيع الرئيس إقناع قاعدته بأن الحرب دفاع عن الأمن القومي، وقد يستطيع أن يحمّل إيران مسؤولية ارتفاع أسعار النفط، لكن الناخب الذي يدفع أكثر عند محطة الوقود لا يتعامل مع الأمر بالطريقة نفسها التي يتعامل بها صانع القرار في واشنطن.

والأكثر دلالة أن ترامب نفسه تحدث أمس عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد انتخابات الثالث من تشرين الثاني، وهو ما يعني أن الحرب والانتخابات باتتا متداخلتين بصورة يصعب فصلها.

أما الورقة التي لا يزال ترامب يراهن عليها بقوة فهي ملف الهجرة وأمن الحدود، وهي قضية ما زالت تمنحه أفضلية واضحة داخل قاعدته الجمهورية. لكن هذه الورقة قد لا تكون كافية إذا ظل الاقتصاد وأسعار الوقود والحرب حاضرة في الحياة اليومية للناخب.

فالانتخابات النصفية ليست استفتاءً قانونياً على الحرب، لكنها قد تتحول عملياً إلى استفتاء على ثمنها.

وفي الثالث من تشرين الثاني، قد لا يسأل الناخب الأمريكي فقط: ماذا فعل ترامب بإيران؟

بل قد يسأل سؤالاً أبسط وأكثر تأثيراً:

كم دفعت أنا ثمن هذه الحرب؟

لنكولن_ترامب.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!