كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بين «درع أخيل» واتفاق مكة.. هل تتغير خريطة الأمن الإقليمي؟

 لم تكن الصفقة الدفاعية التي وقعتها إسرائيل واليونان يوم الاثنين 31 أغسطس 2026 مجرد اتفاق تجاري يصب في مصلحة الصناعات العسكرية، كما أن اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة في السابع من أغسطس لا يبدو منفصلًا عن التحولات المتسارعة في خريطة الأمن الإقليمي.

بين «درع أخيل» و«اتفاق مكة» تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة تبحث فيها دولها عن ترتيبات أمنية خاصة بها، في ظل تراجع الثقة بقدرة المظلات التقليدية وحدها على توفير الأمن والاستقرار.

وقعت إسرائيل واليونان اتفاقًا دفاعيًا بقيمة تقارب 3 مليارات يورو، لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات لليونان، تشمل منظومات إسرائيلية متقدمة ورادارات وأنظمة قيادة وسيطرة. وأهمية الصفقة لا تكمن في حجمها المالي فقط، بل في أنها تنقل إلى اليونان نموذجًا متكاملًا من الخبرة الإسرائيلية في الدفاع الجوي والصاروخي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن تعاون متزايد بين إسرائيل واليونان وقبرص في المجالات العسكرية والأمنية، وهو تعاون تراقبه تركيا باهتمام، في ظل خلافاتها التاريخية مع اليونان حول بحر إيجه وشرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية. ولهذا فإن «درع أخيل» يتجاوز كونه صفقة سلاح، ليصبح جزءًا من معادلة جديدة للقوة في شرق المتوسط.

وفي الجهة الأخرى، جاء «اتفاق مكة» بصيغة مختلفة. فقد اتفقت السعودية وتركيا وباكستان على مبدأ للدفاع المشترك يجعل الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الأطراف الأخرى، في صيغة تُقارن أحيانًا بمبدأ الدفاع الجماعي في حلف الناتو، وإن كانت الاتفاقية لا تمتلك حتى الآن البنية العسكرية المتكاملة للحلف الأطلسي.

ورغم تأكيد الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، فإن اجتماع تركيا بما تمتلكه من قوة عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، مع باكستان بوصفها قوة نووية، والسعودية بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري، يمنح الاتفاق وزنًا يتجاوز حدود الدول الثلاث.

واللافت أن الاتفاق بدأ يتحول سريعًا من إعلان سياسي إلى إطار مؤسسي؛ إذ عقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية أول اجتماعاتها في إسطنبول في 31 أغسطس، كما اتفقت الدول الثلاث على تأسيس أمانة دائمة للاتفاق في السعودية، في خطوة تعكس الرغبة في تحويله إلى إطار تعاون مستمر.

كما أن الاتفاق بقي مفتوحًا أمام احتمال انضمام دول أخرى مستقبلًا، وقد طُرح اسم مصر ضمن الدول المحتملة، من دون أن يعني ذلك وجود قرار مصري نهائي بالانضمام حتى الآن.

وهنا تصبح القاهرة أمام معادلة دقيقة.

فالسعودية شريك استراتيجي لمصر، والبحر الأحمر يمثل عمقًا مباشرًا لأمنها، ولا تستطيع القاهرة تجاهل ترتيبات أمنية تتشكل في هذه المنطقة. وفي الوقت نفسه، ترتبط مصر بعلاقات وتعاون مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط والطاقة، وهي معنية مباشرة بأي توتر تركي–يوناني يمكن أن ينعكس على ليبيا والبحر المتوسط وترسيم الحدود البحرية.

لذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى مصر ليس ببساطة: مع من نقف؟ بل: كيف نحافظ على مصالحنا من دون أن نفقد هامش الحركة؟

فالانضمام إلى اتفاق دفاع جماعي قد يفرض على القاهرة التزامات سياسية وعسكرية جديدة، بينما الابتعاد الكامل عن الترتيبات الإقليمية قد يعني ترك الآخرين يرسمون قواعد أمنية جديدة في مناطق تمس الأمن المصري مباشرة.

وقد يكون من المبكر الحديث عن محورين عسكريين متواجهين؛ فالعلاقات الإقليمية أكثر تعقيدًا من ذلك. تركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية وباكستان ترتبطان بعلاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة، واليونان نفسها حليف رئيسي لواشنطن.

لكن الاتجاه العام يبدو واضحًا: المنطقة تتحرك نحو بناء قدرات وترتيبات أمنية أكثر استقلالًا وتنوعًا. إسرائيل تقدم التكنولوجيا، واليونان تعيد بناء دفاعاتها، وتركيا تطور صناعاتها العسكرية، وباكستان تقدم ثقلًا عسكريًا ونوويًا، بينما توفر السعودية ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا.

وبين «درع أخيل» و«اتفاق مكة» تتشكل أمامنا ملامح خريطة أمنية جديدة، ليست بالضرورة خريطة أحلاف متصارعة، لكنها خريطة دول تبحث عن موقع أكثر قوة في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

وفي وسط هذه الخريطة تقف مصر، بما تمتلكه من علاقات مع أطراف مختلفة ومصالح مباشرة في البحر الأحمر وشرق المتوسط وليبيا.

لذلك، قد يكون الخيار المصري الأكثر واقعية هو التوازن لا الانحياز، والحضور لا العزلة، والحفاظ على أكبر مساحة ممكنة للمناورة.

فالمنطقة تتغير، ومن لا يشارك في صياغة توازناتها الجديدة قد يجد نفسه لاحقًا مضطرًا للتعامل مع نتائج لم يكن طرفًا في صناعتها.

✦كتابات في الميزان✦

المقال يقرأ اتفاقين متزامنين باعتبارهما علامتين على انتقال المنطقة من الاعتماد شبه الكامل على المظلات التقليدية إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر تنوعًا واستقلالًا. وأهم ما يميزه أنه يرفض التسرع في الحديث عن محورين متصارعين، ويضع مصر في قلب معادلة التوازن بين شرق المتوسط والبحر الأحمر. وتبقى الفكرة الأكثر قوة فيه أن المرحلة المقبلة قد تُقاس بقدرة الدول على المشاركة في صناعة التوازنات بدل الاكتفاء بالتكيف معها بعد تشكلها.


التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!