كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الذين انتصروا

 في ذلك الصباح، كانت الشمس تعرف أسماء الناس أكثر مما تعرفها دوائر الدولة. كانت تشرق عليهم جميعًا بالقدر نفسه، لكنها تعرف أن بعضهم يستحق الظل، وبعضهم يستحق الانتظار، وبعضهم لا يستحق حتى أن يُرى.

في ذلك الصباح، وقف الرجل أمام دائرة التقاعد. كان اسمه في السجلات طويلًا، يمتد على سطور، لكن جسده اختصره إلى نصف رجل. كانت يداه مقطوعتين من الرسغين، وقد انتهت قدمه اليسرى عند موضع يقع قبل الركبة بقليل. كان يضع عكازًا تحت إبطه الأيمن، ويتكئ على كتف رجل آخر كلما أراد التحرك.

سأله الرجل الذي بجانبه:

– لماذا جئت؟

ضحك. لم تكن ضحكته فرحًا، بل كانت شيئًا يشبه صوت باب صدئ يحاول أن يُفتح، وقال:

– جئت لأقبض راتبي.

ثم نظر إلى ذراعيه المبتورتين وأضاف:

– إنهم يريدون التأكد من أنني ما زلت حيًّا.

كان أمام الدائرة عشرات الرجال؛ بعضهم يحمل أوراقًا صفراء نخرها الزمن، وبعضهم يمسك صورًا لأبنائه، وبعضهم جاء بأجساد مشوهة لم تعد الدولة تعرف كيف تسميها. كان بينهم رجل فقد عينه، وآخر فقد نصف وجهه، وامرأة تحمل ملفًا أكثر سماكة من عمرها.

كانوا جميعًا ينتظرون. لم يكن أحد منهم يعرف ماذا ينتظر بالضبط: الموظف، أم الختم، أم التوقيع، أم الراتب، أم ربما شيئًا أصغر من ذلك كله؛ اعترافًا بسيطًا ومجردًا بأنهم لم يكونوا أغبياء حين ذهبوا إلى جحيم الحرب.

في الطابق الثالث، كان مدير الدائرة قد عاد لتوّه من سفرته. كان وجهه مسمرًّا قليلًا، لا من هجير الحرب، بل من شمس البحر والمنتجعات.

دخل مكتبه بخطوات واثقة، ووضع حقيبته الجلدية على الأرض بلامبالاة. أخرج من جيبه زجاجة عطر صغيرة وفاخرة، ورش منها قطرات على عنقه وطرفي ياقته، مستمتعًا بالعبق الذي يفوح بالرفاهية. ثم استقر خلف مكتبه الفخم، حيث كان كل شيء يلمع بعناية مبالغ فيها... يلمع أكثر مما ينبغي.

قال لسكرتيرته:

– هل ما زال المتظاهرون هناك؟

قالت بصوت حذر:

– نعم، سيدي.

– منذ متى؟

– منذ الصباح.

نظر إلى ساعته اليدوية البراقة، ثم أدار بصره نحو النافذة. كانت الشمس تضرب رؤوس الواقفين في الخارج بضراوة، كأنها موظف حكومي آخر يمارس قسوته اليومية.

قال ببرود:

– اتصلي بالشرطة.

ترددت السكرتيرة قليلًا وهي تفرك يديها:

– ماذا أقول لهم؟

قال، وهو يفتح جهاز الحاسوب من دون أن يلتفت إليها:

– قولي لهم إن هناك تجمعًا غير مرخص.

ثم أضاف بنبرة يملؤها التعالي واللامبالاة:

– وقولي لهم إنني عدت من السفر، ولا أحب الضجيج.

وصلت الشرطة. لم تسأل عن الأيدي المقطوعة، ولا عن الأرجل المبتورة، ولا عن السنوات الطوال التي أحرقها هؤلاء في جحيم الجبهات. سألت فقط بنبرة جافة:

– من المسؤول عن التجمع؟

رفع الرجل ذراعه المبتورة، وكان يريد أن يشير بها ليقول: «أنا»، لكنه تذكر، في منتصف الحركة، أن ذراعه لم تعد موجودة أساسًا. فتقدم خطوة ثقيلة، وقال بصوت ثابت:

– أنا.

نظر الشرطي إلى موضع يده المفقودة بنظرة خالية من التأثر، ثم قال:

– لماذا لا تراجع الدائرة مثل بقية الناس؟

ابتسم الرجل ابتسامة مريرة، وقال:

– أنا أراجعها منذ ثلاث سنوات.

– إذن، لماذا تقف هنا؟

أشار بذراعه المتبقية إلى جسده المتهالك:

– لأنني لم أعد أستطيع الجلوس طويلًا.

لم يفهم الشرطي، أو ربما فهم أكثر مما ينبغي.

بدأ الدفع، ثم الصراخ، ثم تناثرت الأوراق في الشارع. طار ملف امرأة تحت سيارة، والتصقت صورة شهيد بحذاء شرطي، وسقط رجل أعور على الرصيف. أما صاحب اليدين المقطوعتين، فبقي واقفًا في مكانه كأنه جبل أخرق. حاولوا إسقاطه مرارًا، فلم يسقط؛ لا لأنه قوي، بل لأنه لم يتبقَّ لديه ما يكفي من الجسد ليتكئ عليه السقوط.

حملته أربع أذرع لا تعرف شيئًا عن جحيم الحرب. حملوه باستهانة، كما يُحمل أثاث قديم متهالك، ثم ألقوه خلف سور الدائرة، على الجانب الآخر... في الخارج، حيث لا يحتاج الوطن إلى توقيعه.

ظل مستلقيًا هناك لحظات، ينظر إلى السماء. كانت زرقاء صافية، فقال في نفسه: «حتى السماء اليوم زرقاء وهادئة... بلا حزن يتسع لرجل بلا يدين».

في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء أمام الباب. نزلت منها امرأة في الثلاثينيات، ترتدي ثوبًا فاضحًا يشف عما تحته، وتبدو كأنها خرجت للتو من سهرة مبتذلة، فيما كان عطر ثقيل يسبق خطواتها.

مرت بجانب الرجل الملقى خلف السور، وألقت عليه نظرة ازدراء ونفور، ثم أكملت طريقها غير آبهة. التفت الشرطي حوله بارتياب، ثم سارع إلى فتح الطريق لها بابتسامة خبيثة. دخلت بتغنج وميوعة مكشوفة؛ فلم يجرؤ أحد على طلب أوراقها الثبوتية، ولم يسألها أحد عن سبب الدخول أو موعد الزيارة. كان الطريق أمامها مفتوحًا أكثر مما ينبغي.

كانت تحفظ أروقة المكان عن ظهر قلب، وكان المدير ينتظر خدماتها. دخلت الدائرة بخطوات متكسرة، وفي يدها ملف أخضر.

بعد ساعة، خرجت، وكان المدير واقفًا عند الباب يودعها.

قال لها بصوت خفيض ومطمئن:

– الأمور كلها ستنتهي اليوم.

ابتسمت بتهكم، وهي تعدل طرف ثوبها، وقالت بصوت يفيض بالغنج والثقة:

– كما اتفقنا؟

– كما اتفقنا.

ركبت السيارة. وفي المقعد الخلفي كان هناك صندوق صغير مملوء بالملفات؛ ملفات لرجال قيل إنهم فُقدوا في أتون الحرب: أسماء بلا أصحاب، ومعاملات تطلب رواتب تقاعدية وتعويضات ومنحًا وحقوقًا، تدعمها صور شخصية وتوقيعات. كان كل شيء مرتبًا بعناية فائقة.

كان هناك شيء واحد ناقص فقط: أصحاب تلك الملفات. لكن ذلك لم يكن ذا أهمية إطلاقًا؛ ففي الدوائر الحكومية يمكن للميت أن يعود إلى قيد الحياة إذا كانت معاملته مكتملة الإجراءات، أما الحي فيمكن أن يلفظ أنفاسه ويتلاشى أمام الباب لمجرد أن ورقة واحدة في ملفه ناقصة.

لم يكن بعض أولئك الرجال مفقودين في الأصل، بل كانوا قتلة دخلوا المدينة في ليلة غادرة، ففجروا وذبحوا، ثم اختفوا. قُتل بعضهم في المعارك، وتناثرت أشلاء بعضهم في تفجير صنعوه بأيديهم، فيما بقي بعضهم الآخر حيًّا بما يكفي ليصبح له ملف.

ثم حدثت المعجزة الإدارية؛ إذ عادت أسماؤهم إلى الظهور، لكنها هذه المرة لم تكن تحمل بندقية أو حزامًا ناسفًا أو راية، بل كانت تحمل معاملة تقاعد، وكان ذلك كافيًا جدًا لتمرير كل شيء.

ظل الرجل ملقى خلف السور، ينظر بأسى إلى الأوراق التي تناثرت حوله في الشارع. كان في جيبه تاريخ طويل، أطول من عمر هذه الدائرة المتهالكة نفسها؛ سنوات طوال قضاها في جحيم الجبهات، ورفاق دفنهم بيديه قبل أن يفقدهما، وقدم تركها هناك، على أرض قيل له يومًا إنها أرض الوطن.

كان كل ذلك التاريخ العريض ينتظر ختمًا صغيرًا؛ ختمًا واحدًا كان كفيلًا بأن يجعل بلدًا كاملًا يصدق أنك كنت بطلًا. لكن الختم تأخر... وتأخر كثيرًا.

وفي الداخل، كانت هناك امرأة دخلت من الباب الرئيسي بلا سؤال، تحمل ملفات لرجال قتلوا في الحرب، ثم خرجت بمعاملاتهم مكتملة ومدفوعة الثمن.

عندها فقط، فهم الرجل شيئًا لم يسعفه ذكاؤه في فك رموزه طوال سنوات القتال الضارية. فهم أن تضحياته وتضحيات رفاقه لم تضع في ساحة المعركة، بل ضاعت بعدها؛ ضاعت تحت أقدام أولئك الذين باعوا الوطن، وتحت أقدام عاهرات السلطة.

نظر إلى قدميه؛ واحدة بقيت له، والأخرى تركها في الحرب. ثم أطال النظر نحو الباب الذي دخلت منه المرأة، وقال في سريرته بمرارة:

«تركت قدمي هناك كي لا يدوس الغزاة الوطن... فإذا بتاريخي وتضحياتي كلها تدوسها اليوم أقدام العاهرات».

بعد ساعات، كان الرجل ما يزال ملقى أمام الدائرة. اقترب منه موظف شاب، ومد له ورقة وهو يقول بجفاف:

– راجعنا غدًا.

نظر الرجل إلى الورقة. لم يستطع أن يمسكها، فطلب من الموظف أن يضعها في جيبه، وقال:

– والمرأة التي دخلت قبلي... هل انتظرت ثلاث سنوات مثلي؟

ضحك الموظف ساخرًا:

– أي امرأة؟

قال:

– التي دخلت من الباب الرئيسي بكل سلاسة.

– تلك لديها معاملة.

– وأنا؟

صمت الموظف لحظة، ثم قال وهو يهم بالانصراف:

– أنت أيضًا لديك معاملة.

نظر الرجل إلى جسده المبتور، وإلى كميه الخاويين، وإلى ساق واحدة تسنده، ثم قال:

– نعم.

وسكت قليلًا، ثم أضاف بمرارة:

– لكن يبدو أن معاملتي تأخرت لأنني فقدت يديّ في الجهة الخطأ.

مضى الموظف مبتعدًا، وبقي الرجل وحده يواجه الصمت.

في اليوم التالي، كانت المدينة تستيقظ كعادتها: المقاهي ممتلئة بالرواد، والسيارات تبتلع الشوارع المزدحمة، والأغاني تتداخل صاعدة من المحال التجارية، والدوائر الحكومية تفتح أبوابها الحديدية المتهالكة.

وفي مكان ما من المدينة، كانت امرأة تستعد لحمل ملفات جديدة. وفي مكان آخر، كان مدير يمسك دليلًا سياحيًا ويخطط لسفرة قادمة. وفي الشارع المقفر، كان رجل بلا يدين وبلا قدم ينتظر راتبه المستحق. كان قد قاتل بكل ما أوتي من روح كي يبقى الوطن، والآن كان الوطن يقاتل بضراوة كي لا يدفع له راتبه التقاعدي.

رفع رأسه نحو الشوارع... لم يغضب، فالغضب عاطفة تحتاج إلى يدين تلوحان به، ولم يبكِ، لأن البكاء يتطلب شيئًا من الكرامة. اكتفى بالتحديق، وقال بصوت خافت:

– يبدو أن الحرب انتهت.

ثم نقل بصره نحو سور الدائرة الخرساني، وأضاف:

– لكن يبدو أن الذين خسروا الحرب هم من انتصروا فيها.

سكت قليلًا، ثم نظر إلى جسده المبتور وقال:

– أما نحن... فكنا مجرد أرقام في قائمة الخسائر.

ومضت المدينة في صخبها؛ لم تتوقف، ولم تسأل، ولم تلتفت خلفها. كانت تعرف جيدًا أسماء أولئك الذين يدخلون من الباب الرئيسي، أما الذين يُرمون خلف السور، فلم تكن أسماؤهم تعني لها شيئًا.

وفي المساء، أُغلقت أبواب الدائرة، وأُطفئت الأنوار، وأُقفلت المزاليج. وفي الداخل، بقيت الملفات متراكمة فوق المكاتب: أسماء رجال ماتوا، وأسماء رجال قُتلوا، وأسماء رجال قَتلوا... أصبحوا جميعًا متساوين الآن، وكان الفرق الوحيد أن بعضهم امتلك من يعرف كيف يوقّع نيابة عنه.

أما الرجل الذي فقد يديه وقدمه في الحرب، فلم يكن له أحد.

وهكذا، للمرة الأولى منذ سنوات، أُغلق ملفه، وكُتب عليه بخط جاف: «يراجع غدًا». وكان ذلك آخر ما ناله من وطنه: موعدًا جديدًا ومفتوحًا للانتظار.

فيما كانت المدينة تمضي نحو صباحها الجديد... مدينة لا تنسى أبناءها؛ إنها فقط تنسى أيهم كان ابنها البار.

✦ كتابات في الميزان ✦

يبني النص مفارقته القاسية بين مقاتل قدّم أطرافه دفاعًا عن الوطن، وفاسدين يحوّلون حقوق القتلى والمفقودين إلى تجارة رابحة. ومن خلال دائرة التقاعد، يكشف الكاتب كيف تستطيع البيروقراطية إهانة الأحياء وإحياء الموتى على الورق متى حضرت الواسطة والرشوة. إنها قصة احتجاجية موجعة تؤكد أن خسارة المقاتل الحقيقية لم تقع في الجبهة، بل حين عاد ليجد من خسروا الحرب وقد استولوا على ثمار الانتصار.

الجريح_التقاعد.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!