حرصَ الدِّينُ الإسلاميُّ القويمُ على تعظيم الشَّعائر الدينيَّة؛ لما تؤدّيه من دورٍ في ترسيخ الإيمان، وتهذيب السّلوك، وربط الإنسان بقيمه ومبادئه، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾([1])ومن هذا المنطلق تكتسب زيارة الأربعين مكانتها الروحيَّة والإنسانيَّة؛ إذ لم تعد مجرّد مناسبةٍ لاستذكار حدثٍ تاريخيٍّ مضى، بل غدت مدرسةً متكاملةً تستنهض في الإنسان معاني الإيمان، والإيثار، والتكافل، والكرامة، والإصلاح، إذ تتفرّد زيارة الأربعين بكونها شعيرةً تتجدّد كلَّ عام، فتجمع الملايين من مختلف البلدان والأعراق والقوميات واللغات والانتماءات، في مشهدٍ إنسانيٍّ تتراجع فيه الفوارق الاجتماعية، وتتقدّم فيه قيمة الإنسان وكرامته، ولعلّ هذا الحضور المتنامي، رغم اختلاف الظروف وتنوّع التحديات، يكشف عن عمق ارتباط هذه الزيارة بالوجدان الإنساني والإسلامي، وعن قدرتها على استحضار القيم التي مثّلها الإمام الحسين (عليه السّلام) في واقعة الطّف.
وقد أكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) مكانة زيارة الأربعين، فجاءت في عداد علامات المؤمن، فقد روي عن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السّلام) أنّه قال: ((علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم))([2]).
زيارة الأربعين: استحضارٌ للرسالة لا استذكارٌ للتاريخ
إنّ قراءة زيارة الأربعين بمعزلٍ عن أهداف النهضة الحسينيّة تفرغها من مضمونها الحقيقي؛ فالإمام الحسين (عليه السّلام) لم يكن حضوره في كربلاء مجرّد طرفٍ في صراعٍ سياسيٍّ محدودٍ بزمانه ومكانه، وإنّما كان يحمل مشروعًا رساليًّا يتصل بحماية قيم الإسلام، وصيانة كرامة الإنسان، ومواجهة الانحراف والظّلم؛ ولهذا لا يمكن النّظر إلى واقعة الطّف على أنّها حادثةٌ تاريخيّةٌ انتهت بانتهاء أصحابها، بل هي موقفٌ إنسانيٌّ ورساليٌّ متجدّد، يضع الإنسان أمام مسؤوليته في مواجهة الظّلم والانحراف، ويحمله على إعادة النظر في موقفه من القضايا التي تمسّ كرامته ودينه ومجتمعه، وقد عبّر الإمام الحسين (عليه السّلام) عن جوهر مشروعه الإصلاحي بقوله: ((إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمد))([3]) وبذلك تصبح زيارة الأربعين امتدادًا للوعي برسالة عاشوراء، لا مجرّد تكرارٍ لمشهدٍ تاريخي؛ فهي فرصةٌ لاستعادة معنى الإصلاح، وتجديد العهد بالقيم التي ضحّى الإمام من أجلها، وإنّ الوعي بحقيقة الأربعين كفيلٌ بتحريرها من القراءة السطحيّة التي تحصرها في حركةٍ جماهيريّةٍ ضخمة، لتظهر بوصفها ظاهرةً إيمانيّةً وتربويّةً واجتماعيّةً قادرةً على التأثير في واقع الإنسان وحياته. .
زيارة الأربعين مدرسة الإيثار والعطاء:
لعلّ أهم ما تتجلّى فيه القيم الأخلاقيّة في زيارة الأربعين هو مشهد العطاء الذي يتحوّل فيه الإنسان من مستهلكٍ للخدمة إلى صانعٍ لها، ومن طالبٍ للمنفعة إلى مانحٍ لها، ففي الطرق المؤدّية إلى كربلاء تنتشر المواكب الحسينيّة التي تستقبل الزائرين وتقدّم لهم الطعام والشراب والمسكن والرعاية والخدمات المختلفة، في مشهدٍ تتراجع فيه الحسابات الماديّة، ويتقدّم فيه الإيثار بوصفه قيمةً حيّةً تمارسها الجماهير بصورةٍ يوميّة، ويستحضر هذا السلوك قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾([4])،
فالزائر يجد أمامه إنسانًا يقدّم له ما يملك دون أن يسأله عن اسمه أو قوميته أو لغته أو دينه أو طبقته الاجتماعية، والخادم بدوره لا يرى في الزائر غريبًا، بل يراه ضيفًا للحسين (عليه السّلام)، فيمنحه من وقته وماله وجهده ما يستطيع، وبذلك تتحوّل الخدمة من عملٍ اعتياديٍّ إلى ممارسةٍ تربويّةٍ تصنع الإنسان المعطاء، وتدرّبه على تجاوز الأنانيّة، وتحرّره من أسر الذات، وتجعله أكثر شعورًا بالآخرين واحتياجاتهم .
الخدمة الحسينيّة إلغاءٌ للفوارق وبناءٌ للتكافل:
إنّ المتأمّل في مشهد الأربعين يجد أنّ الخدمة الحسينيّة قد أسهمت في بناء نموذجٍ اجتماعيٍّ فريد، يجتمع فيه النّاس على اختلاف مواقعهم ووظائفهم وقدراتهم، ففي هذه المسيرة نجد الطبيب إلى جانب العامل، والأستاذ إلى جانب الطالب، والغني إلى جانب الفقير، والمسؤول إلى جانب عامة الناس، والعربي إلى جانب الأعجمي، والصحيح إلى جانب العليل، والجميع يتحرّكون نحو غايةٍ واحدة، إذ تتنوّع أدوار المشاركين بصورةٍ لافتة؛ فهذا طبّاخ، وذاك موزّع، وآخر منظّف، وغيرهم أطبّاء ومترجمون ومستقبلون ومرشدون وخدّام، وكلّ واحدٍ منهم يشعر بأنّ دوره، مهما بدا بسيطًا، جزءٌ من منظومةٍ كبرى تقوم على التعاون والتكافل، وقد وصف الشّاعر هذا المشهد بقوله:
من كلّ صوبٍ يطلبون ضريحه
مشيًا على الأقدام والأقدارِ
في الأربعين هناك زحفٌ هائلٌ
يسعى إلى جنب الفرات الجاري
ولجود أبناء العراق علامةٌ
لمسيرةٍ تمضي إلى استنفارِ
جعلوا ملايين القلوب مضايفًا
للراغبين إلى العليّ الباري
والذاهبين إلى الحسين زيارةً
في كربلاء بعزّةٍ ووقارِ([5])
وهكذا تصبح زيارة الأربعين نموذجًا حيًّا للتكافل الاجتماعي؛ إذ تذوب فيها كثيرٌ من الحواجز التي تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، ويتقدّم معيار التقوى والعمل الصالح على المعايير الماديّة والاجتماعيّة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾([6]).
زيارةُ الأربعين رسالةٌ تتجاوز الزمان والمكان:
إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لم يخرج طلبًا للمال أو السّلطة، وإنّما حمل مشروعًا إصلاحيًّا أراد من خلاله مواجهة الانحراف وحماية قيم الرسالة، ولذلك بقيت قضيته حيّةً بعد مرور القرون؛ لأنّ القيم التي دافع عنها ليست مرتبطةً بزمانٍ دون آخر، بل هي قيم إنسانيّة تتصل بالحرية والكرامة والعدالة ورفض الظلم، ولذلك كانت زيارة الأربعين رسالةً متجدّدةً في مواجهة الأنانيّة والاستبداد والانحراف، وفرصةً لإحياء روح المسؤولية في الإنسان.
وقد عبّر الشاعر السيد مصطفى جمال الدين عن خلود هذه الرسالة بقوله:
وتركت للأجيال حين يلزّها
عنت السرى ويضيق عنها المهربُ
جثث الضحايا من بنيك تريهم
أنّ الحقوق بمثل ذلك تطلبُ
ومما تقدّم ندرك أنّ زيارة الأربعين ليست مجرّد مسيرةٍ تسير فيها الأقدام نحو كربلاء، بل مسيرةٌ تسير فيها القيم نحو الإنسان؛ فكلّ خطوةٍ فيها يمكن أن تكون درسًا في الصبر، وكلّ خدمةٍ يمكن أن تكون درسًا في الإيثار، وكلّ موكبٍ يمكن أن يكون نموذجًا للتكافل، وكلّ لقاءٍ بين الناس يمكن أن يكون مساحةً للتعارف والوحدة، إنّها مدرسةٌ تتعلّم فيها النفوس كيف تعطي، وكيف تصبر، وكيف تتسامح، وكيف تحترم الإنسان، وكيف تقف إلى جانب الحقّ في مواجهة الظلم؛ لتؤكّد أنّ رسالة الإمام الحسين (عليه السّلام) لم تنتهِ عند حدود كربلاء، وإنّما ظلّت ممتدّةً في ضمير الإنسان .
[1] -سورة الحج:32.
[2] -المزار الكبير، لابن المشهدي: 353.
[3] -الفتوح، الكوفي: 21/5.
[4] -الحشر:9.
[5] -شعر حميد حلمي البغدادي.
[6] -سورة الحجرات:13.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!