كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الدكات العشائرية تتراجع في العراق.. الردع القضائي وحصر السلاح يضيّقان مساحة «الرصاص العشائري»

بغداد – متابعات

بعد سنوات مثّلت فيها «الدكة العشائرية» واحدة من أخطر مظاهر السلاح المنفلت وفرض الإرادة بالقوة، تشير المعطيات الأمنية والقضائية في العراق إلى تراجع كبير في هذه الظاهرة، حتى باتت شبه معدومة في بعض المناطق، بالتزامن مع استمرار الحكومة في تطبيق مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

وأكد رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، اليوم الجمعة، أن السياسة الوطنية لحصر السلاح بيد الدولة تستند إلى قرار مجلس الأمن الوطني رقم 21 لسنة 2018، وتهدف إلى تنظيم حيازة وترخيص الأسلحة، ومكافحة الاتجار غير المشروع بها، وجمع السلاح غير المرخص وتقليل انتشاره. وشدد على أن الحكومة «ماضية في هذا الموضوع ولا رجعة فيه». وكالة الأنباء العراقية

ما هي «الدكة العشائرية»؟

بحسب توصيف مجلس القضاء الأعلى، تتمثل «الدكة» في لجوء أفراد إلى إطلاق النار على منزل شخص أو جهة على خلفية خلاف عشائري، بقصد التهديد وإجبار الطرف الآخر على الدخول في مفاوضات أو الخضوع لمطالب معينة.

ولم تقتصر الظاهرة في مراحل انتشارها على الأسلحة الخفيفة، إذ سجل القضاء حالات استُخدمت فيها أسلحة أشد خطورة وقنابل وقاذفات، ما جعلها تتجاوز كونها خلافاً عشائرياً إلى فعل يهدد حياة السكان والأمن العام. مجلس القضاء الأعلى

نقطة التحول.. «الدكة» جريمة إرهابية

حدث التحول الأبرز في مواجهة الظاهرة عام 2018، عندما قرر مجلس القضاء الأعلى التعامل مع «الدكة العشائرية» وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، مستنداً إلى المادة الثانية التي تعد التهديد الهادف إلى بث الرعب بين الناس من الأفعال الإرهابية.

وأدى التشدد القضائي والأمني إلى نتائج ملموسة؛ إذ أعلن القضاء في كانون الأول 2018 أن الدكات انخفضت آنذاك بنسبة 90% في مناطق من محافظة ميسان، واختفت في مناطق أخرى، بالتزامن مع تنفيذ أوامر قبض وملاحقة المشاركين في هذه الأعمال. وهذه النسبة تخص تلك المرحلة والمناطق المذكورة، وليست إحصائية وطنية حالية. مجلس القضاء الأعلى

أحكام بالسجن 15 عاماً

واستمر تطبيق التكييف القضائي خلال السنوات اللاحقة. ففي نيسان 2025 أصدرت المحكمة الجنائية المركزية حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً بحق مدان استهدف منزل مواطن بقنبلة يدوية وأصاب اثنين من أفراد عائلته، وصدر الحكم وفق قانون مكافحة الإرهاب مع الاستدلال بأحكام قانون العقوبات. قرار مجلس القضاء الأعلى

كما صدرت أحكام مماثلة في ميسان بحق مدانين بإطلاق النار على منازل وممتلكات، وهو ما يعكس انتقال التعامل مع «الدكة» من محاولات الاحتواء الاجتماعي إلى إجراءات جنائية مشددة.

لماذا تشكل الدكة خطراً على المجتمع؟

خطورة الدكة لا تتوقف عند الرصاص الذي يصيب منزلاً، إذ يمكنها أن تحول مشكلة فردية إلى نزاع عشائري مسلح، وتعرض السكان الذين لا علاقة لهم بالخلاف إلى الخطر، فضلاً عن إضعاف سلطة القانون حين يصبح السلاح وسيلة للتهديد وفرض التسويات.

وأشار مجلس القضاء الأعلى في دراسة قانونية إلى أن الدكات قد تتسبب بالقتل والإصابة والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة وترويع السكان، وعدّ الحد منها جزءاً من تعزيز دولة المؤسسات. دراسة مجلس القضاء الأعلى

السلاح المنفلت.. البيئة التي تغذي الظاهرة

التراجع في الدكات يرتبط بصورة مباشرة بالقدرة على الحد من انتشار الأسلحة خارج الأطر القانونية. فوجود السلاح غير المرخص يجعل انتقال الخلاف الاجتماعي أو الشخصي إلى مواجهة مسلحة أكثر سهولة.

ولهذا تربط خلية الإعلام الأمني معالجة الدكات بملف أوسع هو «حصر السلاح بيد الدولة»، والذي يشمل تسجيل وتنظيم الأسلحة وملاحقة السلاح غير المرخص ومكافحة تجارته غير المشروعة.

هل انتهت الظاهرة؟

المؤشرات الرسمية إيجابية، إذ أكد سعد معن أن الدكات انخفضت «بشكل كبير جداً» وأنها تكاد تتلاشى في بعض المناطق والمحافظات. كما تحدث القضاء في تموز 2026 عن انخفاضها بصورة كبيرة حتى أصبحت شبه معدومة.

لكن من المهم التنبيه إلى أن التصريح الأخير لم يقدم نسبة وطنية شاملة لعدد الدكات في 2026 مقارنة بالسنوات السابقة؛ لذلك الأدق صحفياً الحديث عن «تراجع كبير» وليس الإعلان عن انتهائها بالكامل.

من العرف إلى سلطة القانون

المعركة مع الدكة العشائرية ليست أمنية فقط، بل تتعلق بثقافة الاحتكام إلى القانون. فالعشيرة، بوصفها تكويناً اجتماعياً، لا تعني اللجوء إلى السلاح، وقد سبق لشيوخ عشائر في محافظات عراقية أن أعلنوا دعمهم لتجريم الدكات وتشديد الإجراءات ضد مرتكبيها.

ويكشف التراجع الحالي أن الردع القضائي، متى اقترن بتنفيذ أمني وملاحقة السلاح غير المرخص، قادر على تقليص واحدة من أخطر الظواهر التي هددت الأمن المجتمعي. ويبقى الاختبار الأكبر هو تحويل هذا التراجع إلى حالة دائمة، بحيث تكون المحكمة والقانون الطريق الوحيد لحسم النزاعات، لا فوهة البندقية.

الدكة(العشائرية.jpeg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!