كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

دراسة حول رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في ضوء المدونات التاريخية

إنّ استقصاء مكان دفن الرأس الشريف لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي عليه السلام بعد الواقعة الأليمة بكربلاء، يُعدّ من أخصّ الفصول التاريخية التي تداولت في كلمات المؤرخين وأرباب السير على مرّ العصور؛ وقد تعدّدت الأقوال العلمائية وتنوعت الآراء حول المكان الذي استقرّ فيه هذا الرأس المقدس، نتيجةً لاختلاف الروايات وتباين المصادر، مما أضفى على هذا الموضوع هالة من الغموض والإجلال، وقد تنقل الركب الحسيني المبارك في مسيرته عبر أقطار شتى، مما أسهم في تعدد المشاهد والمزارات المنسوبة إليه، والتي تُجسّد عمق المحبة والتعظيم لهذا الإمام الشهيد في وجدان الأمة. وفيما يلي نستعرض أبرز الأقوال التاريخية والروائية في تحديد مكان دفن الرأس الشريف:

القول الأول: الإلحاق بالجسد الطاهر والدفن في كربلاء

يُعدّ هذا القول من أشهر الأقوال المعتمدة عند علماء الإمامية ومحقق التاريخ، حيث ذهب جمع غفير من المؤرخين والعلماء من الفريقين إلى أن الرأس الشريف قد أُلحق بالبدن المطهر في كربلاء. وقد تواتر هذا الرأي في المصادر القديمة، فقد كتب الشيخ الصدوق (ت 381هـ) في أماليه قائلاً: "إلى أن خرج علي بن الحسين عليه السلام مع النساء، وردّ رأس الحسين عليه السلام إلى كربلاء." [1]، وقد تَبِعَ في ذلك ابن فتال النيشابوري (ت 508هـ) في كتابه روضة الواعظين، حيث أشار إلى رجوع السبايا وإلحاق الرأس بالبدن. [1]

ومن أعلام الإمامية أيضاً صرّح السيد المرتضى (ت 436هـ) في أماليه قائلاً: "روي أن رأس الإمام الحسين عليه السلام دفن مع جسده في كربلاء." [2]؛ ونقل هذا القول الطبرسي (ت 548هـ) في كتابه إعلام الورى. [2] كما أكّد ابن نما الحلي (ت 643هـ) في كتابه مثير الأحزان: "إنّ القول المعتمد هو أنّ الرأس بعدما طافوا به في البلاد، رُدّ إلى البدن ودُفن معه." [3]

وعلى مستوى المؤرخين من أهل السنة، فقد أيّد أبو ريحان البيروني (ت 440هـ) هذا الرأي في كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية، حيث قال: "وفي العشرين ردّ رأس الحسين إلى جثته حتى دفن مع جثته." [4] كما صرّح سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) في كتابه تذكرة خواص الأمة قائلاً: "اختلفوا في الرأس على أقوال، أشهرها أنه ردّ إلى المدينة مع السبايا، ثم ردّ إلى الجسد بكربلاء فدفن معه، قاله هشام وغيره." [5]

القول الثاني: دفن في مدينة دمشق

من الأقوال ذات الانتشار الواسع عند عامة المؤرخين، وخصوصاً من أهل الشام، ما ذهب إليه القائلون بأن الرأس الشريف دفن في دمشق السورية، وقد اختلفوا في تحديد المكان بدقة داخل المدينة. فقد أورد البلاذري (ت 279هـ) في كتابه أنساب الأشراف عن هشام بن محمد الكلبي قوله: "أن يزيد بعث برأسه إلى المدينة فنصب على خشبة، ثم ردّ إلى دمشق فدفن في حائط بها، ويقال في دار الإمارة." [6]

وذكر الواقدي (ت 207هـ) في كتاب المغازي، أن الرأس مدفون في دمشق في دار الإمارة. [7] وأشار ابن أبي الدنيا (ت 281هـ) في كتابه المصائب إلى أن "وجد رأس الحسين في خزانة يزيد بدمشق، فكفنوه ودفنوه بباب الفراديس." [8] وقد أحصى النويري (ت 733هـ) في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب عدة أقوال فرعية، منها: دفنه في باب قلعة فراديس، أو في مسجد دمشق فوق إحدى الإسطوانات، أو دفنه يزيد في قبر معاوية. [9]

أما ابن عساكر (ت 571هـ) في كتابه تاريخ دمشق، فقد أورد رواية مفادها: "أن يزيد بعد ما نصبه بدمشق ثلاثة أيام وضعه بخزانة السلاح حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك، فجئ به وقد بقي عظماً أبيض، فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقابر المسلمين." [10]

القول الثالث: دفن في المدينة المنورة (مقبرة البقيع)

ذهب فريق من المؤرخين إلى أن الرأس الشريف أُرسل إلى المدينة المنورة ودُفن هناك بجوار أمه فاطمة الزهراء عليها السلام. ويُعدّ ابن أعثم الكوفي (ت 314هـ) من أبرز من ذكر هذا الرأي، حيث أورد في كتابه الفتوح أن الرأس الشريف أُرسل إلى المدينة المنورة، وقام عمر بن سعيد بن العاص -والي المدينة آنذاك- باستلامه ودفنه في البقيع. [11]

كما أشار ابن الصباغ المالكي (ت 855هـ) في كتابه الفصول المهمة إلى أن الرأس الشريف حُمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع عند قبر أمه فاطمة الزهراء (عليها السلام). [12] ونقل ابن سعد (ت 230هـ) في كتابه الطبقات الكبرى، أن عمرو بن سعيد بن العاص والي المدينة، أمر برأس الحسين، فكُفّن ودُفن بالبقيع عند قبر أمه. [13] كما ذكر البخاري (ت 256هـ) في تاريخه أن رأس الحسين حُمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه. [14]

القول الرابع: دفن في مدينة عسقلان

يُعدّ هذا الرأي من الأقوال التي ذكرها مؤرخو العصر الفاطمي وما بعده، حيث يرى أصحابه أن الرأس الشريف بقي في عسقلان لفترة طويلة قبل نقله إلى أماكن أخرى.

وقد فصّل المقريزي (ت 845هـ) في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، حيث ذكر أن الرأس الشريف حُمل من عسقلان إلى القاهرة في سنة 548هـ، وأن أهل عسقلان كانوا يجلون هذا المشهد، وذلك بعد أن استقر الرأس في عسقلان لفترة طويلة عقب واقعة كربلاء. [15]

كما ذكر الرافعي (ت 623هـ) في كتابه التدوين في أخبار قزوين أن الرأس الشريف نُقل إلى عسقلان، وبقي فيها مدة طويلة، حيث أُقيم له مشهدٌ عُرف بمشهد الرأس، ويشير إلى أن الناس كانوا يقصدونه للزيارة. [16]

القول الخامس: دفن في القاهرة / مصر

وهو القول السائد عند الطائفة الإسماعيلية والمؤرخين المصريين، حيث يرى أصحابه أن الرأس الشريف نُقل من عسقلان إلى القاهرة بأمر الخليفة الفاطمي. وقد فصّل المقريزي في تاريخه للحقبة الفاطمية عملية نقل الرأس الشريف من عسقلان إلى القاهرة، مشيراً إلى أن الخليفة الفاطمي "الظافر بدين الله" أمر بنقله، فخرج الوزير الصالح طلائع بن رزيك لاستقبال الرأس، ودُفن في المشهد المعروف بالقاهرة سنة 548هـ. [15]

وكذلك ذكر القلقشندي (ت 821هـ) في كتابه صبح الأعشى أن المشهد الحسيني بالقاهرة يضم الرأس الشريف الذي نُقل من عسقلان، مؤكداً المكانة العظيمة التي نالها هذا المشهد في العصر الفاطمي وما تلاه من عصور. [17] وأشار ابن كثير (ت 774هـ) في البداية والنهاية إلى أن الطائفة الفاطمية ادعت أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها، وبنوا عليه المشهد المشهور به بمصر بعد سنة خمسمائة. [18]

القول السادس: دفن في مدينة الرقة

نقل هذا الرأي أحد المؤرخين الذي لم يُشتهر رأيه كثيراً، حيث يرى أن الرأس أُرسل إلى الرقة ودُفن هناك. فقد ذكر عبد الله بن عمر الوراق في كتابه المقتل قائلاً: "لما حضر الرأس بين يدي يزيد بن معاوية قال لأبعثنه إلى أبي معيط عن رأس عثمان وكانوا بالرقة فبعثه إليهم فدفنوه في بعض دورهم ثم أدخلت تلك الدار في المسجد الجامع." [19]

وأورد سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) من أشهر من ذكر هذا القول بشكل مفصل في كتابه تذكرة خواص الأمة، حيث نقل رواية الوراق وأشار إلى أن المشهد كان بجانب سدرة (سور) المدينة، وعليه شبيه النيل لا يذهب شتاءً ولا صيفاً. [5]

القول السابع: دفن في النجف الأشرف

هذا القول له سنده الروائي المتين في كتب الحديث الإمامية، حيث تشير بعض الروايات إلى أن الرأس سُرِق من الشام ودُفن في النجف الأشرف بجوار ضريح الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. فقد ورد في كتاب الكافي للشيخ الكليني (ت 329هـ) رواية عن يزيد بن عمر بن طلحة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: "لما حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين صلوات الله عليهما." [20]

كما ورد في روايات أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما يشير إلى وجود قبرين في الغري، فقد قال: "إنك إذا أتيت الغري رأيت قبرين، قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فأمّا الكبير فقبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأمّا الصغير فرأس الحسين بن علي عليه السلام." [20]

القول الثامن: دفن في مدينة مرو

وهو قول نادر لم يُشتهر كثيراً، لكن بعض المؤرخين والجغرافيين أشاروا إليه. فقد كتب السمعاني (ت 562هـ) في كتابه الأنساب نقلاً عن كتاب (المراوزة) للمعداني: أن رأس الحسين بن علي عليه السلام دفن في مرو في قصر (سكان زرتشتي) الجهة اليمنى لباب الدخول أسفل الجدار. [21]

مناقشة الأقوال واستعراض الأدلة

بخصوص مناقشة القولِ الثاني وهو الدفنُ في دمشقَ لا يخلو من اضطرابٍ وضعفٍ، ورواياتُ البلاذري والواقدي وأبي الدنيا منهم من ذكرَ أنه دُفنَ بدارِ الإمارةِ، ومنهم من ذكر بحائطٍ بدمشقَ، ومنهم من خَصّه ببابِ الفراديسِ، ومنهم من ينسبهُ إلى «خزانة السلاحِ» حتى عهدِ سليمانَ بنِ عبدِ الملكِ؛ وهذه المنقولاتُ مرسلةٌ لا يُركنُ إليها مضافاً لمخالفتِها للواقعِ التاريخي والسياقِ السياسي الذي تعيشُه الشامُ آنذاك، كما لم يكن من مصلحةِ بني أمية الاحتفاظُ بالرأسِ الشريفِ علانيةً لما يسببه ذلك من إثارةِ النكيرِ العامّ وتحريكِ مكامنِ الثورةِ في الشامِ التي بدأت تموجُ بعضُها بالاستنكارِ والغضبِ إثرَ انقشاعِ حقائقِ المظلوميةِ وتكشفِ خيوطِها سيما عقبَ الخطبِ العلويةِ المدويّةِ للإمامِ السجادِ والعقيلةِ زينبَ (عليهما السلام)، فقضيةُ إبعادِ الرأسِ الشريفِ أو التخلصُ منه بالإعادةِ والترحيلِ هو المتعينُ والأوفقُ مع سياساتِهِم.

أما القولُ الثالثُ الدفنُ في المدينةِ فمخالفٌ للمشهورِ، والرواياتُ التي ذكرها ابنُ سعدٍ في طبقاتِهِ وابنُ أعثمٍ الكوفيُّ بأنَّ الرأسَ الشريفَ حُملَ إلى المدينةِ حيثُ يمكن التفريقُ بين مفردةِ «حُملَ» وبين «دُفِنَ هناكَ»، والرواياتُ لم تصرح بذلك وإنما أقصى شيءٍ قالت إنه حُملَ إلى هناكَ، وسماحُ يزيدَ بحملِهِ إلى المدينةِ المحتملُ أنه رسالةٌ لبني هاشمٍ وأهلِ المدينةِ بقوةِ الدولةِ الأمويةِ وقدرتِها على تصفيةِ كلِّ من يقف ضدّها ولو كان مثلَ الحسينِ بنِ عليِّ (عليه السلام) ومحتملٍ غيرَ ذلك، ولكنَّ الأكيدَ أنَّ الأمويين لم يرضَوا بأنْ يتحولَ رأسُ الحسينِ عليه السلام إلى مركزِ رمزيةٍ جديدةٍ تجمعُ الهاشميين وشيعتَهُم في معقلِهم.

وقولُ الدفنِ عند قبرِ أمِّهِ؛ فالمعروفُ والثابتُ أنَّ قبرَ السيدةِ فاطمةَ الزهراءِ عليها السلام كان مخفياً ولم يكن معروفاً عند الأمويين. وأما القولانِ الرابعُ والخامسُ فهي أقوالٌ متأخرةٌ ظهرت في القرنِ السادسِ ولم تذكر في المصادرِ التاريخيةِ المعتبرةِ فلا يُعولُ عليها.
قال الحمويُّ: (يوجد في القاهرة مزارٌ فيه رأسُ الحسينِ بنِ عليِّ عليه السلام يقع خلفَ قصرِ السلطنةِ)، وهذا كما تقدم اعتبرَ ابنُ سبطِ الجوزي: (إنَّ الخلفاءَ الفاطميين نقلوه من بابِ قلعةِ فراديسَ في دمشقَ إلى عسقلانَ، ومن هناك حملوه إلى القاهرةِ ودفنوه فيها، وبنوا عليه مقاماً عظيماً وهو الآن مزارٌ للناسِ). ويظهرُ هذا القولُ أنه شُيِّع لأغراضٍ سياسيةٍ معلومةٍ، وإلا فالمسافةُ الزمنيةُ بعيدةٌ بين فاجعةِ مقتلِ الحسينِ وقيامِ الدولةِ الفاطميةِ، مضافاً إلى أنَّ بعضَ النقولاتِ قالت إنَّ الخلفاءَ الفاطميين نقلوا الرأسَ المقدسَ من دمشقَ إلى عسقلانَ ومن ثم حملوه إلى بلادِ مصرَ، وهذا القولُ تبطلُه أدلةُ وشواهدُ القولِ الأولِ.

أما القولُ السادسُ الدفنُ في الرقةِ، فالمصدرُ الوحيدُ له مقتلُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ الوراقِ ونسختُه الأصليةُ غيرُ واصلةٍ إلينا، ولا توجدُ عليه أدلةٌ تاريخيةٌ ولا شواهدُ بيّنةٌ والقولُ فيه ما تقدم ما ذُكرَ في القولِ الثاني.

والقولُ السابعُ وإنْ كان ثمة رواياتٌ وردت فيه بخصوصِ الدفنِ في النجفِ، فهذه الرواياتُ لا تخلو إما فيها إشكالياتٌ سنديةٌ بسببِ مجاهيلِ رجالِها ورواتِها أو مشاكلُ مضمونيةٌ تضعفُ قيمتَها الإثباتيةَ في الاستنادِ عليها، وهذا السرُّ في إعراضِ علماءِ الإماميةِ عنها وعدمِ الأخذِ بها، ويمكن تفسيرُ أنَّ عمليةَ نقلِ الرأسِ الشريفِ مرّت بعدةِ تنقلاتٍ ومحطاتِ استراحةٍ وعزاءاتٍ أهمُّها كان النجفَ وبمرورِ الأيامِ تحولَ لمزارٍ، وإلا فمن البعيدِ غيابُ واختفاءُ مسألةِ سرقةِ الرأسِ من الشامِ بوساطةِ مولىً للإمامِ الصادقِ أو بني هاشمٍ ونقلهِ سراً إلى الغريِ من دونِ ذكرٍ ولا أثرٍ بين سطورِ المؤرخين والرحالةِ، حيث لم تشر إليه المصادرُ التاريخيةُ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.

أما القولُ الثامنُ الدفنُ بمرو؛ فقولٌ شاذٌ وغريبٌ، والوجهُ في غرابتِهِ أنَّ مروَ تقعُ في إقليمِ خراسانَ [شرقَ إيرانَ الحاليةِ]، وفي عام 61 للهجرةِ كانت جبهةُ خراسانَ ثغراً إسلامياً نائياً يعيشُ حالةَ اضطرابٍ عسكريٍّ، فنقلُ الرأسِ الشريفِ مسافةَ آلافِ الكيلومتراتِ عبرَ صحاري فارسَ إلى مروَ لا يستندُ إلى أيِّ مسوغٍ عسكريٍّ أو سياسيٍّ أو منطقيٍّ للسلطة الأمويةِ في الشامِ.

أما القول الأول وهو إلحاقُ الرأسِ المقدسِ
بالجسد المطهرِ والدفنُ في أرضِ كربلاءَ

يُعتبرُ هذا القولُ العمادَ الأساسَ والمتسالم عليه عند مشهور الطائفةِ الإماميةِ ومحققي التاريخِ، حيث قام الاعتقادُ والعمل على أنَّ الرأسَ الشريفَ أُعيدَ بعد مسيرةِ السبايا الشاقةِ ودُفنَ مع الجسدِ الطاهرِ بكربلاءَ. ولم يأتِ هذا القولُ من فراغٍ، بل اعتمدَ على مجموعةٍ متكاملةٍ من النصوصِ والقرائنِ والشواهدِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ التي تُشكّلُ بمجموعِها قوةً إثباتيةً متينةً تتقدمُ على غيرِها من الأقوالِ.

أبرزُ المؤيدات والشواهدِ العلميةِ والتاريخيةِ لهذا القولِ المختار:

أولاً: إجماعُ وأقوالُ أعلامِ الطائفةِ ومحققيها (عمل أصحابِنا) أطبقَ كبارُ علماءِ الإماميةِ ومحدثيهِم عبرَ القرونِ على ثبوتِ هذا القولِ، وهو ما يُعرفُ في المباني العلمية بـ  مشهور عملِ الطائفةِ، المعتضد
بالقرائن والسيرة التاريخية.

الشيخ الصدوقُ (ت 381هـ): أوردَ في كتابهِ أماليهِ صراحةً: «إلى أن خرجَ عليُّ بنُ الحسينِ عليه السلام مع النساء، وردّ رأسَ الحسينِ عليه السلام إلى كربلاءَ». [1]

السيدُ المرتضى علمُ الهدى (ت 436هـ): صرّحَ في رسائلهِ وأماليهِ: «إنّ رأسَ الحسينِ عليه السلام أُعيدَ من الشامِ إلى كربلاءَ مع أهلهِ، وضُمّ إلى جسدِهِ». [2]

الشيخُ الطبرسيُّ (ت 548هـ): أشارَ في إعلامِ الورى بأعلامِ الهدى إلى نقلِ الإمامِ السجادِ (عليه السلام) للرأسِ وإلحاقِهِ بالبدنِ. [2]
ابنُ نما الحليِّ (ت 643هـ): قال في مثيرِ الأحزانِ:
«والذي عليه المعوّلُ من الأقوالِ، أنه رُدّ إلى البدنِ بعد أن طيفَ به في البلادِ، ودُفنَ معه». [3]

السيدُ ابنُ طاووسٍ (ت 664هـ): ذكرَ في الإقبالِ والملهوفِ أنَّ أصحابَنَا الإماميةَ أجمعوا على ردِّ الرأسِ الشريفِ إلى كربلاءَ ودفنِهِ مع الجسدِ. [22]

الشيخُ البهائيُّ (ت 1030هـ) والعلامةُ المجلسيُّ (ت 1111هـ): أكدا في بحارِ الأنوارِ وغيرِهِ أنَّ المشهورَ والمعتمدَ عند علماءِ الشيعةِ هو الإلحاقُ بكربلاءَ. [23]

ثانياً: شواهدُ وموافقاتُ علماءِ وأعلامِ الفريقينِ؛
لم ينفردِ الشيعةُ الإماميةُ بهذا القولِ، بل وافقَهُم عليه جمعٌ غفيرٌ من كبارِ مؤرخي ونسبائي أهلِ السنةِ والمحققينَ:
أبو ريحانِ البيرونيُّ (ت 440هـ): قال في كتابهِ الآثارِ الباقيةِ عن القرونِ الخاليةِ: «وفي العشرينَ من صفرٍ رُدّ رأسُ الحسينِ إلى جثتِهِ حتى دُفنَ مع جثتِهِ، وفيه زيارةُ الأربعينَ». [4]

سبطُ ابنِ الجوزيِّ (ت 654هـ): ذكرَ في تذكرةِ خواصِّ الأمةِ نقلًا عن هشامِ بنِ محمدٍ الكلبيِّ وغيرِهِ: «أشهرُ الأقوالِ أنه رُدّ إلى الجسدِ بكربلاءَ فدُفنَ معه». [5]

الشبراويُّ الشافعيُّ (ت 1171هـ): أشارَ في كتابهِ الإتحافِ بحبِّ الأشرافِ إلى أنَّ الرأسَ أُعيدَ إلى كربلاءَ بعد أربعينَ يوماً من الشهادةِ. [24]
أبو الفداءِ (ت 732هـ): أشارَ في تاريخهِ إلى أرجحيةِ إعادةِ الرأسِ إلى كربلاءَ. [25]

ثالثاً: القرائنُ والشواهدُ الاعتبارية والسياسية واللوجستية تضافرت حول مجريات الأحداثِ والتطبيقات العملية والتاريخية لترجيح
هذا القولِ دون غيرِهِ، من خلال أمور:

1. مقتضى السيرةِ والتكليف الشرعيِّ للإمامِ السجادِ (عليه السلام):
كان الإمام عليُّ بنُ الحسينِ السجادُ (عليه السلام) هو المعصومَ والحاكمَ الشرعيَّ لحرمِ رسولِ اللهِ بعد أبيهِ، ومقتضى الأحكامِ الشرعيةِ وسيرةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) توجبُ دفنَ الميتِ بكاملِهِ وعدمَ التفريقِ بين أجزاءِ البدنِ الشريفِ. فلما مكنهُ اللهُ تعالى من الرأسِ ومُكِّنتِ السبايا من المغادرةِ، استعاد الإمام السجاد الرأس الشريف وألحقه بالجسد الشريف لإتمامِ دفنِهِ وفقَ الشريعةِ. وهذا ما نصت عليه كلمات الأعلام المتقدمة.

قال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في «مصباح المتهجد»: ​«وفي اليوم العشرين منه (صفر) كان رجوع حرم أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الشام إلى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله الأنصاري... ورُدّ فيه رأس الحسين (عليه السلام) إلى بدنه».

2. تأجُّجُ الشامِ واضطرارُ يزيدَ للتخلصِ من أثرِ الجريمةِ:
   بعد الخطبِ الخالدةِ للإمامِ السجادِ والعقيلةِ زينبَ (عليهما السلام) في مجلسِ يزيدَ وفي أسواقِ الشامِ، انقلبَ الرأيُ العامُّ في الشامِ وزُلزلتْ قواعدُ الحكمِ الأمويِّ، وضجَّ الناسُ بالبكاء والاستنكارِ. أصبحَ وجودُ الرأسِ بدمشقَ إدانةً دائمةً ومصدرَ خطرٍ وثورةٍ على عرشِ يزيدَ؛ فكان الخيارُ السياسيُّ الأوحدُ أمام السلطةِ الأمويةِ هو الاستجابةَ لمطلبِ السبايا وتكريمَهُم صورياً بتسليمِ الرأسِ الشريفِ للإمامِ السجادِ وإبعادَهُم فوراً عن الشامِ لتخفيفِ احتقانِ الشارع.

3. اقترانُ الحدثِ بزيارةِ الأربعينَ عشرينَ صفر:

   ترتبطُ استعادةُ الرأسِ الشريفِ علمياً وتاريخياً بحدثِ الأربعينَ، فالنصوصُ القديمةُ ككلامِ البيرونيِّ وابنِ طاووسٍ تربطُ بين عودةِ السبايا والتقائهِم بالصحابيِّ الجليلِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ في كربلاءَ يومَ العشرينَ من صفرٍ، وبين إلحاقِ الرأسِ الشريفِ بالبدن، مما جعلَ لهذا اليومِ رمزيةً تاريخيةً ودينيةً خضعتْ لمشروعية العمل وممارسة الشعائر عبرَ القرون المتوالية، نعم هناك كلام بأن وصول السبايا يوم الأربعين من نفس السنة التي استشهد فيها الحسين عليه السلام أو أنهم وصلوا يوم الأربعين من العام القادم، كيفما كان.

أن تعدد الأقوال في أماكن ومواقع دفن الرأس الشريف لسيد الشهداء الحسين لا يُعدّ إشكالاً قادحاً ومخلاًّ، بل هو في الحقيقة زيادة في الشرف والرفعة وتخليد لتضحياته العظيمة، وكأن الله تعالى أراد له أن يكون له في كل بقعة من أقطار الأرض مقام يُزار فيه ويُتبرك به؛ وكما قال أحدهم: لا تطلبوا رأس الحسين من أرض شرق أو غرب، فدعوا الجميع وعرّجوا نحوي، فمسكنه بقلبي، ففي أي مكان الحسين عليه السلام ساكن في القلوب والضمائر وهو من آيات الله الكبرى في حياته وبعد شهادته. نقل الشبلنجي الشافعي قال: روى ابن خالويه عن الأعمش عن منهال الأسدي قال: والله رأيتُ رأس الحسين رضي الله عنه حين حمل وأنا بدمشق وبين يديه رجل يقرأ سورة الكهف حتّى إذا بلغ الرجل ( أم حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مِن آياتنا عجباً ) فنطق الرأس وقال: قتلي لأعجب مِن ذلك). [26]

وكذلك ما رواه محمد بن سليمان الكوفي في مناقب أمير المؤمنين قال: حدَّثنا أبو أحمد قال: سمعتُ محمد بن مهدي يُحدِّث عن عبد الله بن داهر الرازي عن أبيه عن الأعمش: عن المنهال بن عمرو قال: رأيتُ رأس الحسين بن عليٍّ على الرمح وهو يتلو هذه الآية: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) فقال رجلٌ من عرض الناس: رأسُك يابنَ رسول الله أعجب»[27]

روى الشيخ المفيد في الإرشاد عن زيد بن أرقم أنّه قال مرّ به أي «برأس الحسين» على رمح وأنا في غرفة لي فلمّا حاذني سمعته يقرأ ( أم حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مِن آياتنا عجباً ) فقفَّ والله شعري وناديت: «رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب» على كل حال يظلّ الرأس الشريف للسبط الشهيد، مدفوناً في وجدانِ الأمة وقلوب محبيها، راسخاً ومضيئاً لا يحده مكان ولا يقيده زمان. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

________________________

المصادر  والمراجع

[1] الشيخ الصدوق، الأمالي.
[2] السيد المرتضى، الأمالي.
[3] ابن نما الحلي، مثير الأحزان.
[4] أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية.
[5] سبط ابن الجوزي، تذكرة خواص الأمة.
[6] البلاذري، أنساب الأشراف.
[7] الواقدي، كتاب المغازي.
[8] ابن أبي الدنيا، المصائب.
[9] النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب.
[10] ابن عساكر، تاريخ دمشق.
[11] ابن أعثم الكوفي، الفتوح.
[12] ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة.
[13] ابن سعد، الطبقات الكبرى.
[14] البخاري، التاريخ.
[15] المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.
[16] الرافعي، التدوين في أخبار قزوين.
[17] القلقشندي، صبح الأعشى.
[18] ابن كثير، البداية والنهاية.
[19] عبد الله بن عمر الوراق، المقتل.
[20] الشيخ الكليني، الكافي.
[21] السمعاني، الأنساب.
[22] السيد ابن طاووس، الإقبال والملهوف.
[23] العلامة المجلسي، بحار الأنوار.
[24] الشبراوي الشافعي، الإتحاف بحب الأشراف.
[25] أبو الفداء، التاريخ.
[26] الشبلنجي الشافعي، نور الأبصار في مناقب آل البيت الأطهار
[27] ابن الفتح الإربلي؛ كشف الغمة
[28] الشيخ المفيد، الإرشاد.

الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!