كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين انتصر الطبيب على الخوف ذكريات جراح من زمن كانت فيه الإنسانية فوق كل اعتبار

 
بعد أكثر من أربعة عقود أمضيتها في الجراحة، وجدت أن من الإنصاف أن أقف مع نفسي وقفة مراجعة.
ليس من باب مدح الذات، ولا بحثًا عن ثناء الناس، وإنما لأن الإنسان أحيانًا ينسى أن ينصف نفسه بعد عمر طويل قضاه في خدمة الآخرين.
وعندما استعرضت سنوات عملي، لم أجد أن أكثر ما يدعو إلى الرضا هو عدد العمليات التي أجريتها، ولا المناصب التي تقلدتها، ولا الألقاب او الشهادات العلمية التي حصلت عليها، وإنما وجدت أن أعظم ما أعتز به هو أنني، في أصعب الظروف، حاولت أن أبقى وفيًا لرسالة الطب، تلك الرسالة التي تضع حياة الإنسان فوق الخوف، وفوق السياسة، وفوق كل الاعتبارات الأخرى.
تعود هذه الحادثة إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنت أعمل جراحًا اختصاصيًا في مدينة النجف الأشرف.
كنت أجري عشرات العمليات الجراحية الكبرى أسبوعيًا في اختصاصات جراحية متعددة، في مستشفى النجف الحكومي، المعروف بين أهل المدينة بـ”مستشفى الحي”، ثم في مستشفى صدام الذي أنشأته شركة Marubeni اليابانية، وكان آنذاك من أحدث مستشفيات العراق.
في أحد الأيام جاءني السيد عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، وقال لي:
“أريدك أن تفحص آية الله السيد يوسف الحكيم، فحالته خطيرة.”
استغربت الأمر، إذ كنت أعلم ما تعرضت له أسرة آل الحكيم من ملاحقات قاسية، فقلت له إنني كنت أظن أن جميع أفراد الأسرة في السجون، و منهم السيد يوسف وربما أُعدموا.
فأجابني بحزن:
“لقد أُعدم الشباب منهم، أما كبار السن فقد أُفرج عنهم.”
ذهبت معه إلى منزل الأسرة، و كان المنزل محاطا بعدد من رجال الامن الذين يراقبون كل من يقترب من تلك الدار فوجدت السيد آية الله يوسف الحكيم و معه عدد من أفراد عائلته الكريمة ومنهم آية الله السيد محمد سعيد الحكيم، والسيد محمد رضا الحكيم، والسيد محمد تقي الحكيم، وغيرهم.
وبعد الفحص تبين أنه يعاني احتباسًا بوليًا حادًا بسبب تضخم البروستات، وهي حالة لا تحتمل التأخير، وتحتاج إلى إدخال المستشفى، وربما إلى عملية جراحية عاجلة.
طلبت نقله إلى مستشفى النجف، وهناك أجريت له قسطرة للمثانة لتخفيف الاحتباس، ثم بدأت الإجراءات اللازمة لإجراء العملية.
لكن المشكلة لم تكن طبية فقط.
فالظروف السياسية آنذاك جعلت علاج شخصية بهذا المستوى يحتاج إلى موافقات أمنية عليا و خطر على الجراح خاصة طبيب مثلي له ظروف خاصة في ذلك الزمن الصعب .
اتصلت بمدير الأمن لشرح الحالة، طبعا هو علم بكل ماجرى ، فأبلغني أن الأمر يتطلب موافقة مدير الأمن العام.
وبعد الحصول على الموافقة، أجريت عملية استئصال البروستات بنجاح.
في ذلك الزمن كانت عملية البروستاتا من العمليات الصعبة فضلا عن كونها تجرى لرجل كبير في السن و بوضع خاص و خطر جدا ،
و تحتاج إلى متابعة دقيقة بعد الجراحة، ولا سيما الغسل المستمر للمثانة لمنع انسدادها بالخثرات الدموية، إضافة إلى رعاية لصيقة للمريض على مدار الساعة.
وهنا ظهرت المأساة الإنسانية.
فالمريض لم يكن لديه أبناء أو إخوة يتولون رعايته، إذ إن كثيرًا منهم كانوا قد أُعدموا ، اعدم جميع اولاده و معظم اخوته .
لذلك لم يبق من يقوم بخدمته إلا اثنان:
السيد عبد المجيد الخوئي، وأنا… الجراح الذي أجرى العملية.
كنا نقوم معًا بالغسل المستمر للمثانة، ونشرف على رعايته، ونتابع احتياجاته و رعايته حتى تجاوز مرحلة الخطر وتعافى، بحمد الله.
ولم أشعر يومًا أن في ذلك انتقاصًا من مكانة الجراح، بل على العكس، فقد أدركت أن الطبيب الحقيقي لا تنتهي مسؤوليته بإغلاق الجرح، وإنما تستمر حتى يطمئن إلى أن مريضه قد استعاد عافيته.
وخلال وجود السيد يوسف الحكيم في المستشفى، وقع موقف لم يفارق ذاكرتي إلى يومنا هذا.
سأله أحد الأطباء المقيمين، كما جرت العادة عند أخذ التاريخ المرضي:
“ممَّ تشكو؟”
وكان الجميع يتوقع أن يتحدث عن احتباس البول أو الألم الذي سببه المرض.
لكنه أجاب بهدوء المؤمن وثبات المحتسب:
“أشكو من عدم اهتمام الناس بمصائب أهل البيت عليهم السلام.”
كانت إجابة لا تصدر إلا من إنسان امتلأ قلبه بالإيمان، حتى أصبح همه الفكري والروحي أكبر من همه الجسدي.
لقد رأيت يومها رجلًا فقد أبناءه وإخوته، وذاق من المحن ما لا يطيقه كثير من الناس، ومع ذلك بقي صابرًا، محتسبًا، شجاعًا، لا يحمل في قلبه إلا ما يعتقد أنه يقربه إلى رضا الله تعالى.
حينها تذكرت ما قال احدهم عن جده الحسين عليه السلام :
فوالله ما رأيت مكثورا قط ، قد قتل ولده ، وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه ، ولا أجرأ مقدما ، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله
وفي المقابل، تعلمت أنا درسًا لن أنساه ما حييت.
تعلمت أن الطبيب الحقيقي لا يختار مرضاه، ولا يسأل عن انتمائهم، ولا يقيس واجبه بحجم المخاطر التي قد يتعرض لها، وإنما يرى أمامه إنسانًا يحتاج رعايته ، فيبذل كل ما يستطيع لإنقاذه رغم كل المخاطر التي قد يعرض نفسه لها .
بعد مرور كل هذه السنين، لا أروي هذه القصة لأتحدث عن نفسي، بل لأتحدث عن قيمة أصبحت نادرة في زماننا:
شجاعة الضمير.
فقد رأيت فيها طبيبًا يضع رسالته فوق الخوف، ورأيت مريضًا يضع إيمانه فوق الألم .
و ثاث لم يكتفِ بطلب العلاج، بل بقي ملازمًا للمريض، يشاركه رعايته وخدمته بنفسه، في موقف يجمع بين التواضع والإنسانية والشجاعة
و كلٌ بطريقته، كان ينتصر على نفسه.
لقد علمتني تلك الأيام أن عظمة الإنسان لا تقاس بالمنصب، ولا بالسلطة، ولا بالشهرة، وإنما بالمبدأ الذي يتمسك به عندما يصبح الثمن باهظًا.
فالطبيب يسمو عندما يجعل رسالته فوق الخوف، والمريض يسمو عندما يجعل إيمانه فوق الألم ،
و شخص يصع انسانيته و رحمته فوق كل اعتبز .
وبين هذه النماذج تتجلى أسمى معاني الإنسانية.
واليوم، وأنا أكتب هذه الذكرى بعد عقود طويلة، أشعر بالرضا، لا لأنني كنت جراحًا ماهرًا فحسب، بل لأن الله تعالى وفقني في تلك الأيام العصيبة أن أبقى وفيًا لشرف المهنة، وأن أؤمن بأن إنقاذ حياة إنسان هو أعظم تكريم يمكن أن يناله الطبيب، وأن الضمير الحي هو الوسام الذي يبقى مع صاحبه عندما يطوي الزمن كل الأوسمة الأخرى
ولا يكتمل إنصاف هذه القصة من دون أن أذكر موقفًا سيبقى راسخًا في ذاكرتي ما حييت، وهو موقف السيد عبد المجيد الخوئي رحمه الله.
فقد كان بإمكانه أن يكتفي بإحضار المريض إلى المستشفى ثم يغادر، لكنه اختار أن يبقى إلى جانبه، وأن يشارك بنفسه في خدمته ورعايته، لأن السيد يوسف الحكيم لم يكن يجد أبناءً أو إخوةً يقومون بذلك بعد أن فقد كثيرًا منهم في تلك الظروف القاسية.
و اعتقد من الإنصاف أن تُحفظ مثل هذه المواقف؛ لأنها توثق خُلُقًا وموقفًا عاشه شاهد عيان، وهي جزء من ذاكرة العراق التي تستحق أن تُروى لاجيال من الاطباء و غيرهم

حين_انتصر_الخوف.jpg

التعليقات

يوجد 1 تعليق على هذا المقال.

1
دكتور عامر الربيعي من فرنسا •

تصحيح حول مفهوم عبارة الإمام ع( ما رأيت مكسورا قط ..).

وجب عليه التوضيح لعبارة[ ما رأيت مكسورا قط قتل أهل بيته وأصحابه الخ...كما يغفله الخطباء عن جهل او نسيان، بأن عبارة مكسورا بكسر السين تعني كسرت كثرة القوم عليه وهو وحيد.