كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

​يوم رحيل السيّد الحكيم غيّر حياتي ونبهني من نومة الغافلين

​أكتب هذه الكلمات لغرض استذكار آية الله السيد محمد سعيد الحكيم، المرجع العظيم الذي مَنّ الله علينا بمعاصرته والاطلاع على علمه وحكمته وتراثه وغيرته على المذهب. في بادئ الأمر، ومنذ تكليفي، قلّدتُ آية الله السيد السيستاني (دام ظله) ولم أعلم - لجهلي حينها - بوجود مرجعيات أخرى وآيات عظام كان لهم علينا حقٌ عظيم في المحافظة على التشيع والشيعة في مختلف الأزمان.

​مرّت الأيام والشهور والسنين وأنا مقلّدٌ لسيدنا مرجع الطائفة (متعنا الله بطول بقائه الشريف)، مواظباً على التعرّف على إنجازات مرجعيته العظمى ورعايته للحوزات العلمية وتأسيسه للمؤسسات الإعلامية والثقافية والفكرية، متابعاً لكل ما يصدر عنه من بيانات وتوجيهات وفتاوى، ناشراً بعضها ومكتفياً بالاطلاع على البعض الآخر. وكنت خلال تلك الفترة متشوقاً لزيارته والجلوس بين يديه والاستماع له مباشرة، وقد بذلت ما بذلت لزيارته، لكن وصولي متأخراً إلى النجف الأشرف وكثرة زائريه كانا المانع الأساس من عدم التوفيق للحضور بين يديه.

​حتى حلّ وباء كورونا اللعين؛ ذاك الوباء الذي حرمنا من كثير من الأمور: زيارة مراقدنا المقدسة، إحياء شعائرنا ومناسباتنا، ولقاء علمائنا والاستماع إليهم. طيلة تلك الفترة المظلمة، كنت متشوقاً - ودموع العين تهطل للحرمان الذي تعرّضت له بعد توقف لقاء المراجع وصعوبة التوجه لزيارة العتبات المقدسة - للقاء سماحته (دام ظلّه)، والذي وفقني الله سبحانه لزيارته بعد طول عناء، وذلك في الرابع عشر من ربيع الآخر من عام 1446 هـ.

​قبل أيام الوباء اللعين، تعرّض سماحته لإصابة في رجله اليسرى، مما دعاني للتعرّف على أصحاب السماحة المراجع العظام، حيث أصدر الأعم الأغلب منهم بيانات بمناسبة تعرّض سماحته لتلك الإصابة، وقد زاره آية الله الشيخ الفيّاض في المستشفى الذي كان يرقد فيه، فتعجبت من الاهتمام الكبير الذي أبداه أصحاب السماحة بصحة سماحته وإصدارهم لتلك البيانات والاتصال به للاطمئنان عليه. مما دعاني للتعرّف عليهم والاطلاع على سيرتهم ومتابعة بياناتهم وأخبارهم خلال فترة كورونا المرعبة.

​خلال هذه الفترة كنت متشوقاً لزيارة مراجع النجف الأشرف ولقائهم والتعرّف على أحوالهم، وقرّرت بعد زوال هذا الوباء زيارتهم والسلام عليهم، وقد بدأت بنشر توجيهاتهم والاطلاع عليها، لا سيما ما كان يتعلّق بالوباء.

​في عام 2021 وتحديداً في الثالث من أيلول، (الخامس والعشرين من المحرّم الحرام عام 1443 هـ يوم الجمعة)، صُدمتُ - وكنت حينها في كربلاء المقدسة - بخبر رحيل آية الله السيد محمد سعيد الحكيم. بدأتُ بنفي هذا الخبر أولاً، ولكن بعد التأكد منه قلتُ - بعد تخيّل صورة المراجع العظام الأربعة وكان هناك ظلامٌ قد حلّ على شخص السيد الحكيم -: "الله يساعد قلب السيد السيستاني على هذا المصاب".

​رحيله غيّر حياتي

​كان رحيل آية الله السعيد الحكيم تنبيهاً لي من نومة الغافلين؛ فبعد رحيله المؤلم بدأت بالتواصل مع الحوزة العلمية وزيارة المراجع العظام، وتثقيف نفسي بالثقافة الإسلامية الأصيلة. فقرأت كتبه بدءاً من كتابه الشيّق "في رحاب العقيدة"، والذي كان يجذبني لقراءته في أوقات مختلفة طوال اليوم كثرةُ المعلومات فيه، فصرتُ أستزيد كل يوم معلومة جديدة وأتشوق للانتهال من معينه الفياض. فكان هذا الكتاب بلسمًا لذلك الجرح الذي لم يلتئم إلى يومنا هذا، فلا زلت ألوم نفسي على غفلتي تلك وعدم تواصلي مع المرجعيات الدينية، لا سيما مرجعيته المباركة.

​بعد هذا الكتاب الشيّق، أخذتُ بالاطلاع على بعض الكتب التي أشار إليها سماحته في إحدى أجوبته في كتابه "في رحاب العقيدة" بجزئه الأول؛ فقرأت "عقائد الإمامية"، والرسالة العملية لآية الله السيد السيستاني، واطلعت على آراء الفقهاء المعاصرين في كثير من المسائل الابتلائية. ومن ثم قرأت في السيرة شيئاً من مؤلفات الشيخ القرشي، ومن ثم بدأت في قراءة مختلف مؤلفات سماحته: "فاجعة الطف"، شيئاً يسيراً من "خاتم النبيين"، "المرجعية الدينية وقضايا أخرى"، "مرشد المغترب"، واطلعت على الكثير من فتاواه، وقرأت "الفتاوى الميسرة"، واطلعت على بعض الكتيبات الثقافية التي تصدر عن العتبات المقدسة.

​وشاركت في الكثير من الندوات الإلكترونية والجلسات الفكرية الحضورية إكراماً لسماحته، والذي كان يحث كثيراً على أهمية التسلح بالعقيدة الصحيحة والوعي والثقافة الإسلامية الأصيلة، وأصبحت أستمع للعديد من الخطباء الموثوقين عبر اليوتيوب للتزود والتثقف.

​وأصبحتُ في أغلب أيام تشرفي بزيارة النجف الأشرف ومرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) أزور المراجع العظام وأستمع لتوجيهاتهم على الرغم من بُعد مكاتبهم عن المرقد الشريف. وللـدور الكبير الذي لعبه سماحته في حياتي، أصبحت عند زيارتي للعتبات المقدسة أزور نيابة عنه، وفي بعض الأيام أصلي بعض الركعات هديّةً له. ولا يفوتني في كل زيارة لمرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن أزور قبره الشريف وأتحسّر على فراقه، وخلال تشرفي بالمشاركة في مجالس التعزية وزيارة الأربعين أهدي ذلك الحضور وتلك المشاركة له؛ إعظاماً له وإكراماً لشخصه الكريم.

​وفي الختام، أدعو الإخوة الشباب - لا سيما الأجيال القادمة - إلى تخصيص وقت لزيارة العلماء والتزود منهم، فوجود العلماء وسهولة التواصل معهم من نِعم الله سبحانه التي ينبغي عدم التفريط بها وإضاعتها. فهذا أنا أمامكم إلى يومكم هذا أتحسّر على عدم التوفيق للجلوس ولو لمدة خمس دقائق بين يدي العالم الرباني فقيه أهل البيت آية الله السيد محمد سعيد الحكيم.

​أسأل الله العظيم أن يجزي هذا المرجع العظيم عني وعن جميع إخواني المؤمنين خير جزاء المحسنين، وأن يصبّرنا على فراقه، وأن يعوضنا عن هذه المصيبة المفجعة بما يليق بعطفه ورحمته، إنه ولي المؤمنين وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

​فهذه الكلمات شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمّ قَرَّتْ، والسلام.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم الكاتب شهادة وجدانية صادقة عن أثر رحيل المرجع الديني آية الله السيد محمد سعيد الحكيم في حياته، وكيف تحوّل ذلك الرحيل إلى نقطة مراجعة وبداية جديدة للتقرب من الحوزة العلمية وقراءة التراث العقائدي والفقهي. ويبرز المقال قيمة التواصل مع العلماء في حياتهم، والانتفاع من توجيهاتهم قبل أن يتحول الفقد إلى حسرة. كما يكشف عن الدور العميق الذي يمكن أن تؤديه المرجعية في بناء الوعي الديني والثقافي لدى الشباب وربطهم بالعلم والمعرفة الأصيلة.

الحكيم.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!