ما الذي سيندم عليه الإنسان حين تنكشف له الحقائق، وتسقط عنه أوهام الدنيا، ويقف أمام حصاد عمره مجردًا من كل ما كان يظنه عظيمًا؟
لن يندم على مالٍ لم يجمعه، ولا على منصبٍ لم ينله، ولا على متعةٍ فاتته.
هناك تتغير المقاييس كلها.
فما كان عظيمًا في أعين الناس قد يبدو تافهًا، وما كان يراه صغيرًا قد يجده أثقل من الجبال.
إن أعظم ما يندم عليه الإنسان في الآخرة هو عمره.
ذلك العمر الذي كان رأس ماله الحقيقي، فأهدر منه ما أهدر، وأنفقه فيما لا يبقى.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
فكم من ساعاتٍ ذهبت في اللهو، وكم من أيامٍ استُهلكت في ما لا ينفع، وكم من مواسم للخير مرت دون أن يلتفت إليها صاحبها.
وحين يرى العبد ثواب الطاعات التي فرّط فيها، وحجم الخسارة التي جرّتها عليه غفلته، يدرك أن أثمن ما كان يملكه لم يكن ماله ولا جاهه، بل تلك اللحظات التي مضت ولن تعود.
ومن أعظم أسباب هذا الندم الصحبة التي تُبعد عن الله.
فالإنسان ابن بيئته إلى حدّ بعيد، والقلوب تتأثر بمن تجالس أكثر مما تتأثر بما تسمع.
وقد سأل الحواريون عيسى بن مريم عليه السلام:
"يا روح الله، من نجالس؟"
فقال:
"من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله."
إن المرء قد يكتشف متأخرًا أن بعض الذين أحبهم لم يقودوه إلا إلى مزيد من الغفلة، وأن أعوامًا من عمره تشكلت أفكارها وأولوياتها على أيدي أناسٍ لم يكونوا يرون أبعد من حدود الدنيا.
كما يندم الإنسان على نفسه التي أهمل تربيتها وترك زمامها لأهوائها.
فالنفس ليست عدوًا يُهزم مرة واحدة، بل مشروع تزكية يمتد ما دام القلب ينبض.
قال تعالى:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
لقد أُعطي الإنسان القدرة على التمييز بين الطريقين، لكنه كثيرًا ما قدّم رغباته العاجلة على نداء فطرته، وآثر راحته المؤقتة على سعادته الأبدية.
ولهذا فإن أشد الحسرات ليست على المعاصي وحدها، بل على الخيرات التي كان يستطيع فعلها ولم يفعلها.
على صلاةٍ أُجّلت حتى فات وقتها.
وعلى توبةٍ سُوِّفت حتى انقضى العمر.
وعلى كلمة حقٍ لم تُقل.
وعلى فرصة قربٍ من الله ضاعت بين الانشغالات والتأجيل.
إن مأساة الإنسان في الآخرة ليست أنه لم يعرف الطريق، بل أنه عرفه ثم توانى عن سلوكه.
ولذلك كان القرآن يحذر من الانشغال بزخارف الحياة على حساب المصير الأبدي:
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
وحين تنتهي الرحلة، ويُطوى سجل الأيام، لن يبقى للإنسان إلا ما قدّمه بين يدي الله.
عندها سيكتشف أن الدنيا كلها، بما فيها من ضجيج وصراعات ومطاردات، لم تكن تستحق أن يخسر من أجلها لحظةً واحدة من عمره مع الله.
فأعظم ندمٍ في الآخرة ليس فقدان شيءٍ من الدنيا، بل اكتشاف أن الدنيا كلها لم تكن تساوي ما ضيّعه الإنسان من آخرته


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!