كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

إهانة الجلابية الصعيدية تهز مصر... من يقرر من يحق له دخول السينما؟

 في حادثة أثارت غضباُ واسعاُ داخل مصر وخارجها، تحولت إحدى دور السينما من مكانٍ يُفترض أن يحتضن الفن إلى بوابةٍ للتمييز الطبقي والاجتماعي، بعدما مُنع شخصان من دخول فيلم بسبب ارتدائهما "الجلابية الصعيدية"، وكأن الزي الشعبي أصبح تهمة تستوجب الإقصاء.
المفارقة التي جعلت الحادثة أكثر صدمة أن الفيلم المعروض أساساُ يتحدث عن العنصرية والتمييز وكأن الواقع خرج من الشاشة وصفع الجميع بحقيقة أكثر قسوة من السيناريو نفسه.
السينما كانت تعرض رسالة ضد التفرقة، لكنها في الخارج مارست التفرقة بأبشع صورها.
الفيديو الذي انتشر بسرعة البرق على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهر الشخصين وهما يتحدثان بحرقة عمّا تعرضا له قرب باب السينما. لم يكن في كلامهما غضب مفتعل ولا محاولة لصناعة "ترند"، بل كان حديثاُ بسيطاُ يحمل وجع الإهانة. وهذا ما جعل التعاطف الشعبي يتوسع في مصر ثم يمتد إلى أغلب الدول العربية.
كثيرون اعتبروا ما حدث إهانة مباشرة لأهل الصعيد، بل إهانة للتراث المصري نفسه.
فالجلابية ليست مجرد قطعة قماش، بل تاريخ طويل وهوية اجتماعية وثقافة متجذرة في القرى والمدن المصرية منذ عشرات السنين. هي لباس الفلاح والعامل والرجل البسيط وارتبطت بصورة مصر الحقيقية التي عرفها العالم في الأفلام القديمة والأغاني والدراما الشعبية.
الغريب أن البعض تساءل بسخرية مؤلمة:
ما هي المعايير التي تسمح لشخص بالدخول إلى السينما؟
هل أصبح الدخول مرتبطاُ بشكل الملابس لا باحترام الإنسان؟
ولماذا تُقبل الأزياء الخليجية في معظم الأماكن العامة بمصر وتُعتبر "أناقة" أو "مظهراُ محترمًا"، بينما تُرفض الجلابية المصرية التي تمثل جزءًا أصيلاُ من الهوية الوطنية؟
هذا السؤال فتح باباُ واسعاُ للنقاش حول النظرة الطبقية داخل بعض المجتمعات العربية، حيث يُقاس الإنسان أحياناُ بمظهره أو لهجته أو منطقته، لا بأخلاقه أو ثقافته. وهي أزمة أخطر بكثير من حادثة سينما عابرة، لأنها تكشف خللاُ متراكماُ في طريقة النظر إلى أبناء الأرياف والصعيد والطبقات البسيطة.
الفنان محمد رمضان دخل على خط الأزمة سريعاُ وأدان التصرف عبر "ستوري" نشرها على حساباته، مطالباُ باعتذار رسمي لأبناء الصعيد، ومعتبراُ ما حدث إساءة لا يمكن تبريرها.
الكثير رأوا أن موقفه كان مهماُ خصوصاُ أن الفيلم يرتبط باسمه وأن الصمت في مثل هذه المواقف قد يُفهم كقبول ضمني بما حدث.
كما طالب ناشطون ومثقفون وزيرة الثقافة المصرية بالخروج بموقف واضح، لأن القضية لم تعد مرتبطة بشخصين فقط، بل بصورة مجتمع كامل أمام نفسه وأمام العالم.
المؤلم أن العنصرية لا تبدأ دائماُ باللون أو الدين أو الطائفة، بل قد تبدأ أحياناُ من نظرة احتقار لملابس شخص بسيط، أو من استعلاء على لهجة إنسان جاء من الريف أو الجنوب.
وحين تصل المجتمعات إلى مرحلة يُهان فيها الناس بسبب زيهم التراثي، فهذا يعني أن المشكلة أعمق من مجرد تصرف فردي.
الجلابية الصعيدية لم تكن يوماُ رمزاُ للتخلف كما يحاول البعض تصويرها، بل هي رمز للوقار والهيبة والبساطة. ارتداها رجال تركوا أثراُ في السياسة والأدب والفن والتاريخ المصري. ولم يكن الإنسان يُقاس يوماُ بما يلبسه، بل بما يحمله من أخلاق وقيم.
ما حدث أمام تلك السينما لم يكن مجرد منع دخول...
بل كان مشهداُ صغيراُ كشف حجم الصراع بين مصر الحقيقية ومصر الصورة المزيفة، بين هوية الناس البسطاء وثقافة التفاخر الشكلي التي تحاول ابتلاع كل شيء.
وربما لهذا السبب بالتحديد، تعاطف الناس مع الشاب والرجل المسن بهذه القوة...
لأن كثيرين شعروا أن الإهانة لم تكن موجهة لهما وحدهما، بل لكل إنسان بسيط ما زال يتمسك بملامح أرضه ولهجته وتراثه، في زمن أصبحت فيه الأصالة تُعامل أحياناُ وكأنها خطأ يجب إخفاؤه.

الجلابية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!