أحرفٌ معدودات ، عن حسٍّ ومشاهدات ، هنّ بمثابة أداء بعض ماللأُستاذ المعلّم المرحوم الشيخ الفلسفي من دَينٍ بذمّتنا وتفضّلات ، قد لايمرّ عليها ما هو مدوَّنٌ في بيان ما له من الحالات والمميّزات .
في الموسم الدراسي الحوزوي 1371-1372 هـ . ش ، شاركتُ في حلقة دروس آية الله الفقيد الشيخ علي الفلسفي ، مرحلة بحوث الخارج فقهاً وأُصولاً .. ومابين الرجاء والخوف حضرتُ درس الأُستاذ المعظّم ، وكان البحث حينها في دوران الأمر بين المتباينين ، دام تتلمذي بين يديه حوالي خمسة أعوام ، توقفتُ عن المشاركة عند مبحث الوضع التعيّني والتعييني إثر انتقالي إلى قم .. التحقت بلا تأخير بحلقة أُصول وفقه الأُستاذ المعظّم آية الله الشيخ الوحيد دام ظلّه الوارف ، وكان حينها في أواخر بحث المطلق والمقيّد .كما شاركت قليلاً في حلقة فقه الأُستاذ المعظّم آية الله الشيخ المرحوم الميرزاجوادالتبريزي ،وكان في كتاب الطهارة مبحث غسل الجنابة.
أعود لفترة تلمّذي بين يدي الأُستاذ المعظّم الشيخ علي الفلسفي التنكابني ، ولاشكّ أنّها من أرقى وأعزّ وألذّ مراحل الدراسات الحوزوية مذ بدأتها في موسم 1361-1362هـ . ش وليومنا هذا .
أهمّ ما شعرت به وأنا أحضر حلقة درسه رحمه الله هو تنامي الثقة بالنفس والاطمئنان القلبي والارتياح الذاتي ، اللاتي لمستهنّ في أعماقي بكلّ وجودي ؛ لِما لسماحته من ذاتٍ نقية صادقة وروح مؤمنة طاهرة ونفس متقية عاملة وزهد وورع لايوصفان وسيماء هي سيماء الصالحين بلا أدنى شكّ وارتياب ، إلى ذلك : فإنّه اسطوانة العلم والبيان والتبسيط باسلوب معرفي منهجي قلّ نظيره بين الأقران ، وهذا ما يذكّرنا بالبيان الساحر لاُستاذه اُستاذ الفقهاء والمجتهدين آية الله العظمى السيد الخوئي رحمه البارئ المنّان .
كان رضوان الله تعالى عليه لايستهين بأيّ إشكال يطرح في الدرس ويتداوله ويجيب عليه بما يسمح به الحال والوقت .. علماً بأنّه يولي تلامذته احتراماً خاصّاً ، وكان السيد الحسيني الزابلي بحضوره اللافت في الدرس مورد اهتمام الأُستاذ المعظّم على النحو الأخصّ ؛ لاستشكالاته المفيدة ، فقد كان هذا السيد المستشكل الأبرز في درسه رحمه الله .
وماكان يسمح بتداول القضايا السياسية في حلقة الدرس خصوصاً ، ولا أن يُزَجّ باسمه في هذه القضايا عموماً ، ويعلن موقفه إزاء ذلك بكلّ صراحة وشفّافية رغم احترامه للدولة ونظامها ، ولازال في خاطري أن قال بوضوح خلال أو بعد إنهاء البحث : ليس من شأني الخوض في مثل هذه الأُمور ، وشخص السيّد ... يعلم بأن ليس من شأني الخوض في قضايا لاتتناسب مع مبناي وسيرتي.
وكان إذا انهمك في البحث متأمّلاً متدبّراً تراه موجّهاً ناظريه نحو أطراف أصابع يديه .
وحين ينهي البحث الأُصولي ينزل من على المنبر ليستريح لحوالي عشرة دقائق ، ثم يرتقيه ثانيةً ليشرع بالبحث الفقهي .
ولعذوبة البيان وجمالية الطرح وشمولية البحث والإحاطة الوافية أجدني مترجماً فورياً مدوّنَ البحثَ باللغة العربية بسهولة وارتياح .
حكى في إحدى محاضراته حديثاً أو قولاً موجوداً في كتاب الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام ، قال حينها : هذا الكتاب غير متوفّر عندي . أصابني فرَحٌ شديدٌ لأنّي سأُقدّمه هديّةً إليه ، وفي اليوم التالي بعد إنهائه البحث الاُصولي وقبل شروعه بالبحث الفقهي قدّمت الكتاب وشكرني عليه . وكانت مؤسستنا - آل البيت ع- قد طبعته محقّقاً في مجلّدٍ واحد ، وهي المرّة الاُولى التي كلّمت بها سماحته عن قرب .. والثانية حين زار المؤسّسة وكانت حينها في فرع إدارة الهاتف قرب الحسينية النجفية بمشهد المقدّسة .
كان يحضر محلّ الدرسَ بمفرده وبكلّ هدوء وتواضع دون إلفاتٍ وضجيج ، لاتدري كيف ومن أين أتى ، وهكذا حين يغادر .
وهذه أيضاً هي حاله خارج نطاق الدرس ، فهو يمشي بين الناس دون أيّ مائز ، ما كأنّه اسطوانة عظيمة من أساطين العلم والمذهب والدِّين المبين ، ولو كان في فضاء المرجعية الدينية لانثنت له الوسادة بكلّ إجلالٍ واقبال شديدين .
أساس ماتعلّمته منه هي الأخلاق بلا ريب ، لكنّي أخذتها منه نظرياً ولم أُطبّقها عملياً ؛ لسوء توفيقي ، فقد كان رحمه الله مربّي الأخلاق بالقول المستدلّ النافع والعمل المخلص الصادق ، ولايختلف في ذلك اثنان .
لاغرو أنّ نظراءه نادرون وهيهات أن يأتي الزمان بمثلهم إنّ الزمان بمثلهم لَبخيلُ .
ليتني سرتُ على ماسار عليه رحمه الله من الخلق العظيم والتقوى والزهد والإيمان والعلم والحكمة والمعرفة وحب الخير والعمل من أجل الناس وهديهم .
حينما أجول بخاطري وأستعرض حالاته وتوصياته رحمه الله أشعر بالخجل والألم ؛ لأنّي وبتقصيرٍ منّي لم أُصنَع كما أرادنا أن نكون على نهج الحقّ وسيرة الأولياء الطاهرين عليهم السلام .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!