بين شموخ التنافس الشريف وشيوع التسقيط المُحيف ، بين ضجيج الظواهر الصوتية البائسة ورفعة التواضعات الباسقة ، في خضمّ النتاجات النافعة و الادّعاءات الفارغة ، بعد التمعّن في منحني السموّ الوجداني والانحدار القيَمي ، نجد حيناً ارتفاع بيانات النبل والأخلاق ، وأحايينَ ارتفاع بيانات الزيف والنفاق ، فسهم الفِتَن والانحطاط هو الأوفر كالمعتاد في مضمار السباق ، عزاؤنا الوحيد حينئذٍ اللواذ بكتاب الرحمن " إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن " .
على سبيل المثال لا الحصر : كان اليعقوبي مؤرّخاً معتمَدا وابن أبي عقيل العُماني متكلّماً حاذقا والكليني ثقةً كافيا والصدوق محدّثاً صادقا وابن الجُنيد الإسكافي نقّاداً مدقّقا والمفيد معلِّماً مُقنِعا والمرتضى بتصانيفه شريفاً شامخا والرضي للنهج أميناً حافظا والطوسي للطائفة شيخاً رائدا وابن إدريس للاستنباط باباً مثمرا والطبرسي مفسّراً فائقا والمحقّق الحلّي مشرِّعاً معتبَرا والعلّامة موسوعيّاً شاملا وخلَفه لإيضاح الفوائد فخراً سامقا وابن فهد جليلاً عالِما والكركي للمقاصد جامعاً مانعا وأول الشهيدين مذكِّراً مبيّناً لامعا وثانيهما شارحاً بارعا والثالث بإحقاق الحقّ شجاعاً صامدا والصيمري للرموز كاشفاً مبيّنا والأحسائي بلآلئه نفيساً غاليا والأردبيلي لوذعياً مقدَّسا والعاملي للمدارك مُحْكِماً مبرِما والمجلسي صيّاداً ماهرا والكاشاني فيّاضاً مغْنيا وصدر المتألّهين فيلسوفاً مؤسّسا والفتوني للإمامة مضيئاً مُثْبتا والوحيد للأُصول بَطَلاً منقذا ومهدي العلوم بحراً زاخرا والشهرستاني مهديّاً ألِقا والنراقيّان مُسندَين مُسعدَين حقّاً برهنا والبحراني بحدائقه نَضِراً يانعا وصاحب الرياض فقيهاً مُمْرِعا والقمي بقوانينه مؤصّلاً مقعّدا والنجفي للكلام مجوهراً مفرِّعا والأنصاري بنهجه الخالد شيخاً أعظما والجناجي للغطاء كاشفاً مبرهنا والميرزا الشيرازي عَلَماً مجاهدا والهمداني للفقاهة مصباحاً منيرا والآخوند بكفايته مثيراً مذهلا وجمال الدين الأسدآبادي أسداً ضيغما والنائيني مبتكراً منظِّما وأقا ضياء شمساً مشرقا واليزدي بعروته مصدراً مرجعا ومحسن لها مُسنِداً موثّقا والطباطبائي موازناً منصفا وأُستاذ الفقهاء أبو القاسم حبراً فريداً عيلما وأول الصدرين نابغةً عبقرياً مفكّرا وثانيهما بحسن الختام حيّاً يُرزقا وروح الله قائداً صلباً عارفا وصمّام الأمان علي الحسيني حكيماً زاهدا ...
هكذا تعلّمنا وفهمنا واستقرأنا أنّ المكانة والمنزلة والاعتبار لم تأت بالاعتباط ، إنّما بمقدّمات شاقّة طوال صعبة المنال .. لكنْ ما إن هزُلت حتى غدت المرجعية والفقاهة والاجتهاد والرُّتب الأكاديمية كالبروفسورية والدكتوراه كأنّها تُشترى وتُباع بأرخص الأثمان في أسواق التجارة والجعل والادّعاء ، بل لمسنا بالحسّ عدّة ممّن لايجيدون تدوين حتى بضع صفحات سالمة صحيحة بلغة القرآن البليغة ، لمسناهم حاشري مؤهّلاتهم المتواضعة المسكينة في زمرة الفقهاء والمجتهدين ومراجع الدين العظام ومنازلهم الرفيعة ! وثمّة آخرين مصطفّين ضمن كبار الأكاديميين وهم لايدركون بعدُ أوّليات الدرس والتدريس والتحقيق والتصنيف ذات الشروط التخصّصية العميقة .. تعجّلوا وتزبّبوا قبل أن يتحصرموا فضاعوا وضيّعوا فرص الغد وإشراقاته المنيرة ، حتى صاروا مورد التنكيل والاستهزاءات القاسية الأليمة ؛ ذلك بما جنت أيديهم لمّا أهانوا واستهانوا واسترخصوا تلك العناوين والألقاب ذات الرؤى البعيدة والمطالب الفكرية الأخلاقية المنيفة .. قادهم الغرور القاتل والخيال الآفل إلى التصوّرات الخادعة العقيمة .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!