من البديهي أن فهم العلاقات الدولية، والاقتصاد الدولي، وسياسات واستراتيجيات الدول في العالم المضطرب الحالي، بات مستحيلا من دون فهم النماذج الحديثة للأعمال الدولية.
ففي عالم اليوم، تؤثر الشركات الاقتصادية الكبرى، ومتعددة الجنسيات، والمنصات الرقمية، وعمالقة التكنولوجيا، في سياسات الدول أو تسهم في تشكيلها بشكل عميق؛ فهي تصنع الصور الذهنية، وتحدد المشاريع المختلفة، وتؤثر في مسارات التنمية وقدرة الدول على المنافسة، وباختصار، تشكل التيارات التي سترسم مستقبل الدول والمناطق الجغرافية والساحة العالمية.
وقد ظهر تيار جديد من الرأسمالية تحت عنوان إعادة الضبط الكبرى خلال مؤتمر منتدى دافوس 2020. هذه الرأسمالية الجديدة، التي تقدم نفسها تحت مسمى رأسمالية أصحاب المصلحة مع إعطاء الأولوية لمصالحهم مقابل الرأسمالية التقليدية التي تعطي الأولوية للمساهمين، تركز على إعادة بناء هيكل الرأسمالية العالمية، وتدعي أن النظام الرأسمالي يجب أن يعمل بمسؤولية أكبر، وأن يقدم حلولا للتغيرات البيئية، وعدم المساواة الاجتماعية، والأضرار الناتجة عن الأوبئة المستقبلية، والأزمات التي تواجه البشرية.
لكن إلى جانب هذين التيارين، ظهر تيار ثالث وصفه بعض المفكرين بأنه تيار مستقل ومتميز. هذا التيار القوي للغاية، الذي وصفه بعض الباحثين بمفاهيم مثل الإقطاع التكنولوجي أو أولوية المديرين، يطرح أولوية الإدارة على بقية التيارات من خلال التكنولوجيا.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن ديناميكيات القوة في النظام العالمي الجديد خلال السنوات المقبلة ستشهد اضطرابا هائلا في مجالات الجيوبوليتيك، والجيو-اقتصاد، والجيو-ثقافة، والجيو-استراتيجية، بحيث يصبح دور إدارة الشركات في تحقيق توازن القوى أكثر بروزا من بقية المجالات.
التيارات الرئيسية
تحولت المواجهة بين الرأسمالية التقليدية والرأسمالية الحديثة بسرعة إلى صراع بين الشركات الصناعية الكبرى التقليدية وأصحاب الصناعات الثقيلة من جهة، والشركات المالكة للمنصات الرقمية وعمالقة التكنولوجيا، وخاصة شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من جهة أخرى.
ففي حين ترى الرأسمالية التقليدية أن تعظيم أرباح الشركة هو الهدف الأساسي، تعتبر الرأسمالية الحديثة أن الحفاظ على النظام الرأسمالي يتطلب مراعاة مصالح المجتمع والعاملين والمصالح الإنسانية.
ويتعارض هذا المنطق مع منطق الرأسمالية التقليدية التي تعتبر هذه القضايا من مسؤوليات الحكومات. ون البرمجيات والهياكل التنظيمية الحديثة تتمحور حول تقنيات المعلومات والاتصالات، وتسيطر عمليا على عقل وآليات اتخاذ القرار والإدارة داخل الشركات والصناعات. وبالتالي، فإن مالكي هذه التقنيات، الذين يعدون روادا للتيار الجديد من الرأسمالية، يمتلكون تأثيرا هائلا على أساليب صنع السياسات في الرأسمالية التقليدية ومستقبلها.
ولا يستبعد أن تتمكن الرأسمالية التقليدية من الحفاظ على إطارها السابق عبر حلول جديدة وإصلاحات داخلية، لتبقى القوة المهيمنة في النظام الرأسمالي. لكن ما يمكن تأكيده هو أن النظام العالمي المقبل سيكون نتيجة توازن جديد بين هذين التيارين الكبيرين وبقية التيارات العالمية، خاصة في مجال الأعمال الدولية.
ويرى بعض المفكرين أن مشروع إعادة الضبط الكبرى ليس العامل الوحيد الذي يغير ديناميكيات القوة في العالم المقبل. فإلى جانب ذلك، أدت ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وظهور الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، إلى خلق تحولات جديدة في أنماط الحكم والإدارة، ما يجعلها محركا رئيسيا آخر للتغيير.
كما أن مفهوم التحول الرقمي يعد من أبرز العوامل التي ظهرت مع تسارع دورة العلم والتكنولوجيا. فالعلوم الجديدة أدت إلى ظهور تقنيات حديثة، وهذه التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية أسهمت بدورها في خلق علوم جديدة وفتح مجالات جديدة للحياة البشرية وحل مشكلاتها.
وفي الوقت نفسه، أدى التحول الرقمي والسرعة المتزايدة لظهور التقنيات الحديثة إلى إنتاج متواصل لبارادايمات جديدة، الأمر الذي وضع الإدارة والحكم التقليديين أمام تحديات غير مسبوقة. فتعقيدات هذه المفاهيم الجديدة جعلت إدارة المجتمعات والتعامل مع الأزمات أكثر صعوبة.
وقد دفعت هذه التعقيدات والحاجة إلى ردود فعل سريعة المفكرين إلى استنتاج أن إدارة الشركات والدول والمجتمعات أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه في العقود الماضية، حتى مع استخدام التكنولوجيا الحديثة، وأن الأمر يتطلب قدرات إدارية جديدة كليا.
في النظريات الحديثة، تُعتبر البيروقراطية عاملا لتثبيت الوضع القائم وعائقا أمام سرعة الاستجابة والتحول. ولهذا، ظهرت توجهات نظرية تدعو إلى توسيع صلاحيات المديرين التنفيذيين ومنحهم حرية أكبر في إدارة الشركات والدول والمجتمعات في مواجهة التغيرات السريعة.
ومن جهة أخرى، أدى تضخم الشركات العملاقة والمنصات العالمية إلى ظهور تيار ثالث عرف بمسميات مثل الإقطاع التكنولوجي، أو أولوية المديرين. ومن الواضح أن هذا التيار سيلعب دورا محوريا في تشكيل ديناميكيات القوة العالمية مستقبلا.
ويركز هذا التيار على أن المديرين التنفيذيين هم من يديرون الشركات فعليا، لا المساهمون ولا أصحاب المصالح، وأن هؤلاء لا يملكون القدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات المؤسسات.
ويرى البروفيسور ستيفن بينبريدج في عام 2008 أن المساهمين لا يملكون الحافز الكافي لمراقبة المديرين بشكل كامل، وأن سيطرة المساهمين على السياسات الكبرى للشركات تكاد تكون مستحيلة.
كما يرى منظرو هذا التيار أن نموذج أولوية أصحاب المصلحة غير فعال، لأن تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف المعنية أمر شبه مستحيل. لذلك، يجب أن تمنح الإدارة حرية واسعة لاتخاذ القرارات واختيار السياسات الأنسب.
وتطرح بعض النظريات المرتبطة بهذا الاتجاه ومنها نظرية السلطة التنفيذية الموحدة، فكرة أن أفضل نموذج لإدارة الأنظمة في العالم المضطرب الحالي هو منح صلاحيات واسعة للمديرين التنفيذيين أو مجالس الإدارة.
ورغم أن أصحاب المنصات العالمية وعمالقة التكنولوجيا يرفضون وصفهم بالإقطاعيين التكنولوجيين، بحجة أن الإقطاعي لا يخلق قيمة مضافة بل يملك الأرض فقط، وبالتالي لا يمكن مقارنته بالمنصات الرقمية، فإنهم يؤكدون أن منصاتهم تخلق القيمة من خلال الخوارزميات الذكية التي تساعد على إدارة الأعمال.
لكن من وجهة نظر المنتقدين، فإن مفهومي الإقطاع التكنولوجي وأولوية المديرين يتقاطعان إلى حد كبير، بحيث تصبح هذه الفوارق المحدودة قابلة للتبرير وغير مؤثرة في الجوهر.
المصدر: موقع ديبلماسي إيراني

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!