بسم الله الرحمن الرحيم
أَفْضَلُ أَعْمَالِ شِيعَتِنَا انْتِظَارُ الفَرَجِ!
هي كلمةٌ مأثورةٌ مشهورةٌ عن إمامنا الرضا عليه السلام (كمال الدين وتمام النعمة ج2 ص377)، لا يختلفُ الشيعة فيها، لكنَّهم يبحثون في معنى الانتظار، وفي تأثير أعمالهم على الغيبة والظهور.
ومن ذلك البحثُ في أنَّه هل يجبُ عليهم أن يُمَهِّدوا للإمام ويهيؤوا له ظروف الخروج بالعمل المسلح، وإعداد الجيوش، ورفع الرايات لتسليمها له عليه السلام؟!
أم أنَّ دورهم يقتصر على ما دون ذلك في زمن الغيبة؟!
ههنا قولان:
1. أحدهما لا يقبل الإعداد العسكري.
2. وثانيهما يقول بلزومه.
فما هي حقيقة هذين القولين وأدلتهما؟
القول الأول: النهي عن التمهيد العسكري
يستندُّ هذا القولُ إلى الروايات المتواترة الناهية عن الخروج المسلح والعمل العسكري، الشاملة لزمن حضور الإمام وزمن غيبته، المغياة بالآيات الحتمية وعلامات الظهور القطعية.
وقد أفردنا لها بحثاً خاصاً، ونذكر هنا بعض نماذجها:
فمن ذلك ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام: يَا جَابِرُ الزَمِ الأَرْضَ، وَلَا تُحَرِّكْ يَداً وَلَا رِجْلًا حَتَّى تَرَى عَلَامَاتٍ أَذْكُرُهَا لَكَ إِنْ أَدْرَكْتَهَا:
أَوَّلُها اخْتِلَافُ بَنِي العَبَّاسِ، وَمَا أَرَاكَ تُدْرِكُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ حَدِّثْ بِهِ مَنْ بَعْدِي عَنِّي.
وَمُنَادٍ يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ.
وَيَجِيئُكُمُ الصَّوْتُ مِنْ نَاحِيَةِ دِمَشْقَ بِالفَتْحِ..
ثمَّ يذكر الإمام عليه السلام جملةً من العلامات، ويُعَرِّج على خروج الإمام واستنصاره، ثم يُبيِّن علامةً لا يمكن أن يُشكِلَ أمرُها على أحدٍ وهي الصوت من السماء (الغيبة للنعماني ص280).
وهذه الرواية صريحةٌ بالمنع عن الخروج منذ زمن الباقر عليه السلام إلى أن تحصل العلامات، وقد أمر الإمام جابر بأن يُحَدِّث بذلك، وبيَّن له أنَّه لن يدرك العلامات، والمعنى المستفاد من الرواية شاملٌ لكلِّ أحدٍ حتى يتحقق الظهور المبارك أو علاماته الحتمية المباشرة.
ومثلها حديثٌ آخر للإمام الباقر عليه السلام: لَا تَخْرُجُوا عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ أَمْرَكُمْ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ، أَلَا إِنَّهَا آيَةٌ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَتْ مِنَ النَّاسِ، أَلَا إِنَّهَا أَضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ، لَا تَخْفَى عَلَى بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ، أَ تَعْرِفُونَ الصُّبْحَ؟ فَإِنَّهَا كَالصُّبْحِ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ (الغيبة للنعماني ص201).
وفي هذا المعنى والصراحة رواياتٌ كثيرةٌ، منها ما روي عن الصادق عليه السلام:
إِنْ أَتَاكُمْ آتٍ مِنَّا فَانْظُرُوا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَخْرُجُونَ؟
وَلَا تَقُولُوا خَرَجَ زَيْدٌ! فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً وَكَانَ صَدُوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع).
وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعٍ لِيَنْقُضَهُ.
فَالخَارِجُ مِنَّا اليَوْمَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَدْعُوكُمْ؟ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (ع)؟
فَنَحْنُ نُشْهِدُكُمْ أَنَّا لَسْنَا نَرْضَى بِهِ! وَهُوَ يَعْصِينَا اليَوْمَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ! وَهُوَ إِذَا كَانَتِ الرَّايَاتُ وَالالوِيَةُ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنَّا!
إِلَّا مَعَ مَنِ اجْتَمَعَتْ بَنُو فَاطِمَةَ مَعَهُ، فَوَ الله مَا صَاحِبُكُمْ إِلَّا مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ!
إِذَا كَانَ رَجَبٌ فَأَقْبِلُوا عَلَى اسْمِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَتَأَخَّرُوا إِلَى شَعْبَانَ فَلَا ضَيْرَ، وَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَصُومُوا فِي أَهَالِيكُمْ فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى لَكُمْ، وَكَفَاكُمْ بِالسُّفْيَانِيِّ عَلَامَةً! (الكافي ج8 ص264).
وهذه الرواية صريحةٌ في النهي عن الخروج مهما كان شِعارُ الخارج، حتى لو كانت دعوته إلى الرضا من آل محمد، لأنهم عليهم السلام لا يرتضون ذلك، وهذا النهيُ مستمرٌّ إلى زمن تحقُّق العلامات الحتمية، ولا يستثنى منه أيُّ خارجٍ بحجة صلاح صاحبه، أو أنَّ رايته راية صلاحٍ ولا يدعو إلى نفسه، إلا أن يكون الخروج إلى من اجتمعت بنو فاطمة عليها السلام معه، وليس إلا المهدي عليه السلام، ويكفي كعلامةٍ لمعرفة قرب ظهوره خروج السفياني في رجب.
ومثلها أيضاً ما روي عنه عليه السلام عند ظهور رايات العباسيين السوداء، فعن ٍ أَبِي بَكْرٍ الحَضْرَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبَانٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله (ع) وَذَلِكَ حِينَ ظَهَرَتِ الرَّايَاتُ السُّودُ بِخُرَاسَانَ، فَقُلْنَا: مَا تَرَى؟
فَقَالَ: اجْلِسُوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونَا قَدِ اجْتَمَعْنَا عَلَى رَجُلٍ فَانْهَدُوا إِلَيْنَا بِالسِّلَاح (الغيبة للنعماني ص197).
ومن الجليِّ أنَّ السؤال كان عن الخروج مع الرايات السوداء الخارجة، فكان النهي عن الخروج واضحاً حتى يحصل اجتماعهم على رجلٍ وهو المهدي عليه السلام.
والروايات في هذا المعنى كثيرةٌ جداً كما أشرنا.
على أنَّ بعض النصوص أشارت إلى أنَّه في مرحلة النهي عن حمل السيف، يكون ثواب النيَّة قائماً مقام حمل السيف! ويكون للميت على فراشه ثواب الشهيد!
فعن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: الزَمُوا الأَرْضَ وَاصْبِرُوا عَلَى البَلَاءِ، وَلَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ فِي هَوَى السِنَتِكُمْ! وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ الله لَكُمْ! فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً، وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله، وَاسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ، وَقَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ! فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَأَجَلاً (نهج البلاغة ص282).
وهي صريحةٌ في أنَّ النية تقوم مقام إصلات السيف، حتى تنقضي المدَّة والأجل، الذي حدَّدته الروايات الكثيرة بظهور الإمام عليه السلام.
بمثل هذه الروايات المتواترة يثبت أنَّ تكليف الشيعة لا يشمل العمل المسلح والإعداد العسكريَّ للإمام عليه السلام في زمن الغيبة.
نعم لا ريب أنَّ نصرة المؤمنين لإمامهم هي أعظم شرفٍ يُشرَّفون به عند ظهوره، وقد ورد في الحديث أنَّ الإمام عليه السلام عندما يظهر في مكة ويسند ظهره إلى بيت الله الحرام يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ الله! فَمَنْ أَجَابَنَا مِنَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّد، وَنَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بالله وَبِمُحَمَّدٍ (ص)..
إلى أن يقول: أَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ الله وَحَقِّ رَسُولِهِ (ص) وَبِحَقِّي، فَإِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقَّ القُرْبَى مِنْ رَسُولِ الله، إِلَّا أَعَنْتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا! فَقَدْ أُخِفْنَا وَظُلِمْنَا وَطُرِدْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، وَبُغِيَ عَلَيْنَا وَدُفِعْنَا عَنْ حَقِّنَا، وَافْتَرَى أَهْلُ البَاطِلِ عَلَيْنَا، فالله الله فِينَا، لَا تَخْذُلُونَا وَانْصُرُونَا يَنْصُرْكُمُ الله تَعَالَى! (الغيبة للنعماني ص280).
فيكون المؤمنون حينها شركاء للملائكة في نصر الإمام عليه السلام، كما عن الباقر عليه السلام: لَوْ قَدْ خَرَجَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ (ع) لَنَصَرَهُ الله بِالمَلَائِكَةِ المُسَوِّمِينَ وَالمُرْدِفِينَ وَالمُنْزَلِينَ وَالكَرُوبِيِّينَ!
يَكُونُ جَبْرَئِيلُ أَمَامَهُ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِسْرَافِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالرُّعْبُ يَسِيرُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ أَمَامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَالمَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ حِذَاهُ! (الغيبة للنعماني ص234).
القول الثاني: لزوم التمهيد العسكري
قد يقال في قبال القول الأول بأنَّ زمن الغيبة هو زمن التمهيد، الذي يشمل العمل العسكري كما يشمل غيره، وقد يستدل لذلك بأدلة عديدة منها:
الدليل الأول: حكم العقل
بتقريب أن ترك التمهيد والاستعداد العسكري قبل الظهور يعني السماح لأعداء الدين بِجَزِّ رقاب المؤمنين، لذا ينبغي على المؤمنين أن يعدُّوا العدَّة العسكرية قبل ظهور الإمام عليه السلام ويُمَهِّدوا له خروجه.
ويلاحظ على هذا الدليل:
أولاً: عدم ثبوت ملازمة عقليَّة بين الاستعداد للدِّفاع عن النَّفس، والاعداد العسكري لظهور الإمام، فهما أمران مختلفان متباينان، فقد تأمر الشريعة بأوَّلهما وتنهى عن الآخر دون مخالفةٍ لحكم العقل.
ثانياً: أنَّه اجتهادٌ في قبال النصوص المتقدِّمة الدالَّة على القعود والانتظار.
ثالثاً: أنه يلزم منه تخطئة الأئمة عليهم السلام وشيعتهم الأبرار حينما كانت تُجَزُّ رِقابُهم ولم يعملوا على الإعداد العسكري العام.
فحال الشيعة في زمن الغيبة كحال الشيعة في زمن الحضور، عندما أغمد الأئمة سيوفهم ولم يقوموا بأيِّ حراكٍ مُسَلَّح وأيِّ تمهيدٍ عسكريٍّ كما تقدَّم بيانه.
الدليل الثاني: تَوَقُّفُ الظُّهور على التمهيد العسكري
وقد يُصوَّرُ ذلك بأنَّ ظهور الإمام موقوفٌ على وجود الناصر، فينبغي الإعداد له.
ولمَّا كان تجهيز جيشٍ ينصر الإمام من مقدَّمات الظهور التي ينبغي السعي لها، كان راجحاً إن لم يكن واجباً.
وقد يُستدلُّ لذلك أيضاً بما روي عن الصادق عليه السلام أنَّ الإمام: مَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي أُولِي قُوَّةٍ، وَمَا تَكُونُ أُولُو القُوَّةِ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ (كمال الدين وتمام النعمة ج2 ص654).
وعن الجواد عليه السلام: إِذَا كَمَلَ لَهُ العَقْدُ وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ الله (كمال الدين وتمام النعمة ج2 ص378).
لكن يُلاحَظ على هذا الدليل:
أنَّه أعمُّ من المُدَّعى، فإنَّ توقُّف خروجه على وجود هذا العدد لا يعني لزوم إعداد جيشٍ، ولا تهيئة قوَّة خاصة، فليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّهم في جيشٍ واحد، ولا على أنَّهم قد أعدوا أنفسهم للقتال، بل فيها ما يدلُّ على أنَّهم: يَجْتَمِعُونَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ! (الغيبة للنعماني ص241).
وأنهم يأتون من أماكن شتى: الرَّجُلُ وَالرِّجْلَانِ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ حَتَّى يَبْلُغَ تِسْعَةً (الغيبة للنعماني ص312).
وأنَّهم محفوظون من الله تعالى: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ مَحْفُوظَةٌ لَهُ أَصْحَابُهُ، لَوْ ذَهَبَ النَّاسُ جَمِيعاً أَتَى الله لَهُ بِأَصْحَابِهِ (الغيبة للنعماني ص316).
فالنصوص تُبيِّنُ أنَّ جمعَ هؤلاء قد يكون خارجاً عن قدرة البشر، لأنَّ الله يأتي بهم ولو ذهبَ الناس جميعاً، وأنَّهم يجتمعون من أماكن شتى وليسوا ضمن جيشٍ مُنَظَّمٍ مُعَدٍّ مسبقاً، يتضمن الصالح والطالح، بل يختارهم الله تعالى ويجمعهم من أصقاع الأرض المختلفة.
الدليل الثالث: الأمر بإعداد السلاح
لقد ورد في النصوص الشريفة أمرٌ بإعداد السلاح للإمام قبل ظهوره، حتى لو كان ذلك سهماً، وهو كنايةٌ عن التجهيز العسكري في زمن الغيبة.
ومن هذه النصوص ما روي عن الصادق عليه السلام: لَيُعِدَّنَّ أَحَدُكُمْ لِخُرُوجِ القَائِمِ وَلَوْ سَهْماً! فَإِنَّ الله تَعَالَى إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ رَجَوْتُ لِأَنْ يُنْسِئَ فِي عُمُرِهِ حَتَّى يُدْرِكَهُ فَيَكُونَ مِنْ أَعْوَانِهِ وَأَنْصَارِهِ! (الغيبة للنعماني ص320).
وقد يُقَرَّب الاستدلال بالحديث الشريف على أنَّه إعداد لأدوات السلاح، مع ما يلزم ذلك من إعداد الجيوش والعساكر والأدوات والذخائر.
لكن يلاحظ على ذلك أمورٌ:
أولاً: أنَّ الحديث إن حُمِلَ على ظاهره وأريدَ منه إعداد السَّهم كأداةٍ للقتال في ذلك الزمن، أو غيره بحسب اختلاف الأزمنة، فهو عَمَلٌ فرديٌّ يتم تجهيز السلاح فيه دون استخدامه، فليس في الخبر ما يدلُّ على تجييش الجيوش أو استخدام هذا السهم في القتال في زمن الغيبة بحال، أو التمهيد العسكري الذي يجتمع فيه المؤمنون ويُحاربون فيه الأمم تمهيداً للإمام عليه السلام.
ثانياً: أنَّ ذيل الحديث يشيرُ إلى أنَّ أهمَّ ما في الأمر هو نيَّة النُّصرة، وليس استعمال السلاح قبل الظهور، فإن إعداد السَّهم إن كان بِنِيَّة نصرة الإمام عند ظهوره عليه السلام، يُرجى أن يطيل الله عمر صاحبه حتى الظهور.
ثالثاً: يحتمل أن يكون المراد من الحديث إعداد أيِّ شيء يمكن إعداده في زمن الغيبة، ويكون التمثيل بالسَّهم كنايةً عن ذلك، ولو لم يكن المقصود هو الإعداد العسكري فعلاً، بل التهيؤ والإستعداد لظهور الإمام، وامتثال أمره في زمن الغيبة.
ونظيره قول القائل: أعدَّ الشاي لضيفك القادم، مع كون المراد هو إعداد الطعام والشراب والمأوى، ونظائر ذلك كثيرة.
وقد يشهد لذلك ما دلَّ على أن سلاح أصحاب الإمام عليه السلام ينزل من السماء، فلا حاجة لهم بسلاح أهل الأرض.
فعن الصادق عليه السلام: إِذَا قَامَ القَائِمُ نَزَلَتْ سُيُوفُ القِتَالِ، عَلَى كُلِّ سَيْفٍ اسْمُ الرَّجُلِ وَاسْمُ أَبِيهِ! (الغيبة للنعماني ص244).
وبهذا يتَّضح حال ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام حين قيل له أنَّ الرباط أربعون يوماً، فقال عليه السلام: لَكِنْ رِبَاطُنَا رِبَاطُ الدَّهْرِ، وَمَنِ ارْتَبَطَ فِينَا دَابَّةً كَانَ لَهُ وَزْنُهَا وَوَزْنُ وَزْنِهَا مَا كَانَتْ عِنْدَهُ، وَمَنِ ارْتَبَطَ فِينَا سِلَاحاً كَانَ لَهُ وَزْنُهُ مَا كَانَ عِنْدَهُ! (الكافي ج8 ص381).
ومثله قول الإمام الكاظم عليه السلام لمن اشترى حماراً وعدَّ شراء البرذون (فصيل من الخيل) سَرَفاً: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنِ ارْتَبَطَ دَابَّةً مُتَوَقِّعاً بِهِ أَمْرَنَا، وَيَغِيظُ بِهِ عَدُوَّنَا، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْنَا، أَدَرَّ الله رِزْقَهُ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ، وَبَلَّغَهُ أَمَلَهُ، وَكَانَ عَوْناً عَلَى حَوَائِجِهِ (الكافي ج6 ص535).
فإنَّهما أجنبيَّان عن العمل المسلح والإعداد العسكريّ في زمن الغيبة، وحالهما كحال خبر إعداد السهم للإمام عليه السلام، بل الأمر فيهما أوضح، لما ورد في روايات عدَّة أنَّ من اتخذ الدابة ولو لقضاء حوائجه ودفع عدوّه كتبت له الحسنات ومحيت عنه السيئات (من لا يحضره الفقيه ج2 ص284).
الدليل الرابع: رايات اليماني والخراساني والتوطئة
بتقريب أنَّ أحاديث هذه الرايات مُتَّفَقٌ عليها بين الخاصة والعامة، وبما أنَّ راية اليماني عندنا هي راية هدى بلا ريب، وأنَّها تخرج قبل الظهور المبارك، فلا تكون أدلَّة المنع عن التمهيد العسكريِّ تامَّة.
وقد يُضَمُّ لذلك ما دلَّ على توطئة الرايات السود وشعيب بن صالح للإمام عليه السلام بصريح العبارة، كالخبر المرويّ عن محمد بن الحنفية: تَخْرُجُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ لِبَنِي العَبَّاسِ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ أُخْرَى سَوْدَاءُ، قَلَانِسُهُمْ سُودٌ، وَثِيَابُهُمْ بِيضٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحِ بْنِ شُعَيْبٍ مِنْ تَمِيمٍ، يَهْزِمُونَ أَصْحَابَ السُّفْيَانِيِّ حَتَّى يَنْزِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، يُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ، وَيَمُدُّ إِلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الشَّامِ، يَكُونُ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلَّمَ الأَمْرُ لِلْمَهْدِيِّ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَهْرًا! (الفتن لنعيم بن حماد ج1 ص310).
لكن يلاحَظ على هذا الدليل:
أولاً: أنَّ أدلَّة المنع عن العمل المسلح في زمن الغيبة، الذي يشمل التمهيد العسكري، عامَّةٌ لكل الأزمنة، حتى بلوغ زمن السفياني واليماني والخراساني، فإنَّ نهاية أمد هذه النصوص يكون بتحقُّق هذه العلامات الحتمية، وهي تُخَيِّرُ المؤمنين بين اتِّباع اليماني ونصره، وبين الانتظار حتى الظهور المبارك، واستبقاء النفس لصاحب الأمر عليه السلام (كما بيَّنا ذلك في محلِّه).
وقد حدَّدت النصوص المدَّة الفاصلة بين خروج هذه الرايات الثلاثة وبين ظهور الإمام عليه السلام بستَّة أشهر فقط.
لكن هذا لا يعني جواز الإعداد العسكري في كل الأزمنة المتمادية قبل بدء عصر الظهور بتحقق العلامات الحتمية المتَّصلة.
ثانياً: يلاحظ على خبر شعيب بن صالح هذا، الذي ذَكَرَ (التوطئة) بالنص الصريح: (يُوَطِّئُ لِلْمَهْدِيِّ سُلْطَانَهُ)، أنَّه لم يرد في مصادرنا، ولم ينقل عن المعصومين عليهم السلام، فهو خبرٌ مرويٌّ عن محمد بن الحنفية وليس عن الإمام المعصوم، منقولٌ في فتن نعيم بن حماد، على ما فيه من الضعف.
فضلاً عن أنَّه يتضمَّن ما يخالف الثابت عندنا من أن ظهور الإمام يعقب ظهور السفياني واليماني والخراساني بفترة وجيزة هي أشهر ستَّة، بينما يجعلها هذا الخبر اثنين وسبعين شهراً.
وكيفما كان، فليس في أخبار هذه الرايات ما ينهض لإثبات حكمٍ في زمن الغيبة الممتد، ولا ما ينفع للاستدلال على التمهيد والتوطئة العسكرية في زمن الغيبة.
أما بقية الأدلة (كرواية أهل المشرق ورواية الانتقام قبل الظهور) فقد تعرضنا لها في أبحاث منفصلة.
والحمد لله رب العالمين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!